edition
Almaalouma
  • أخبار
  • مقالات
  • إنفوجرافيك
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  • الذكاء الاصطناعي
  1. Home
  2. مقالات
  3. توماس باراك.. مندوب سامٍ يبحث عن خريطة الأنبياء
توماس باراك.. مندوب سامٍ يبحث عن خريطة الأنبياء
مقالات

توماس باراك.. مندوب سامٍ يبحث عن خريطة الأنبياء

  • By كتب / انس الشيخ مظهر
  • Today 15:07


حين يتحدث توماس باراك عن الشرق الأوسط، يبدو كمن يقف أمام مرآة مكسورة يرى الحقيقة بوضوح مذهل في لحظة، ثم يعود فيهشّمها بيديه في اللحظة التالية. فالرجل الذي أقرّ يوماً بأن هذه المنطقة معقدة إلى درجة عجز الأنبياء أنفسهم عن حل أزماتها، هو ذاته من يعود بعد سطر واحد ليقترح علينا وصفة جاهزة أحادية اللون، كأنه هبط لتوّه من كوكب آخر يحمل في جيبه كتاباً عن “شكل الدولة الحديثة” ثم راح يبحث عن مجتمعات يسقط عليها وصفاته الجاهزة، بلا وقفة تأمل أمام حقيقة بسيطة كان يفترض أن تكون نقطة انطلاقه الأولى وهي أن الشرق الأوسط ليس مساحة متجانسة يعاد تنظيمها بقرار إداري، وأن تاريخ الدولة فيه لا يشبه تاريخ الدولة في الديمقراطيات الغربية التي تبدو أفكاره أقرب إلى استنساخ نماذجها منها إلى قراءة واقعٍ حيّ يتحرك تحت قدميه.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى وهي ان تشخص المشكلة بشكل صحيح ثم تعقبها بعلاج مدمّر. فباراك لا يخطئ في قراءته المنفردة للأحداث بقدر ما يخطئ في التناقض الصارخ بين ما يراه وما يطلبه , فهو يعترف من جهة بأن ما يبدو لنا فوضى من بعيد هو في جوهره نظام حقيقي تحاول المنطقة أن تنسجه بوعيها الخاص من الداخل، ثم يعود من جهة أخرى ليتعامل مع هذا التعقيد التاريخي كعقبة مزعجة يجب دهسها بقرار فوقي، دافعاً نحو مركزية مطلقة تشمل , حكومة واحدة، جيش واحد، قرار واحد. وكيف يمكن لمن يدّعي أن المنطقة تنظّم نفسها بنفسها أن يأتي بعدها مباشرة ليفرض عليها هندسة خارجية تصادر خياراتها؟ هذا ليس فهماً للواقع، بل محاولة سافرة لإجباره على ارتداء مقاس لا يناسبه، بعقلية المندوب السامي الذي يعتقد أن مهمته صياغة الدساتير لا الإصغاء إلى الشعوب.
وأكثر ما يفضح هذا التناقض ليس تأويلاً أو قراءة بين السطور، بل تصريحات باراك نفسه، حين قال حرفياً إنه “لا يوجد شرق أوسط، بل قبائل وقرى”، وإن الدول القومية في المنطقة لم تكن سوى خطوط مستقيمة رسمها البريطانيون والفرنسيون عبر سايكس بيكو فوق مجتمعات قامت أصلاً على الفرد ثم العائلة ثم القرية ثم القبيلة والدين، قبل أن يُفرض عليها مفهوم الدولة من الخارج. وهنا يكمن المأزق الحقيقي , فإذا كان هذا تشخيصه الصادق لطبيعة المجتمعات التي يتعامل معها، فكيف يستقيم أن يقترح عليها بعد سطر واحد حلاً هو بالضبط نقيض هذا التشخيص، أي حكماً مركزياً واحداً يُدار من عاصمة واحدة؟ فمن يعتقد أن المنطقة قبائل وعشائر وطوائف لم تندمج يوماً في هوية دولتية جامعة، يفترض أن يكون أول المدافعين عن أي صيغة تحفظ لهذا التعدد مساحته، لا أن يعيد إنتاج الخطأ الاستعماري ذاته الذي انتقده، حين يرسم هو أيضاً خطاً مستقيماً فوق التنوع ويسمّيه “الدولة الواحدة”، وكأن القبائل والطوائف التي وصفها بالأمس تُحكم اليوم بمرسوم يصدر من العاصمة. وهذه ليست مفارقة عابرة، بل هي جوهر المشكلة: خطاب يبرر مركزية مطلقة بذريعة أن المجتمع غير جاهز للدولة، بينما الحقيقة أن المجتمع غير الجاهز للدولة هو بالضبط من يحتاج صيغة تشاركية توزّع السلطة لا صيغة تُحكم فيها القبائل بقرار فوقي واحد.
والأغرب في خطاب باراك أنه يقوم على مفارقة مضاعفة لا تقل فضحاً عن سابقتها , فهو من جهة يصف المنطقة بأنها عشائر وقبائل وطوائف لا دول بالمعنى الحديث، مجتمعات ما قبل الدولة تفتقر إلى هوية جامعة وعقد اجتماعي ناضج، ثم يطالبها من الجهة الأخرى، وبلا أدنى تناقض في نبرته، أن تُحكم بمنطق الدولة المركزية الحديثة الصارمة، وكأن غياب الاندماج الوطني يُعالَج بمزيد من احتكار القرار لا بمزيد من الشراكة والتمثيل. والأدهى أن هذه المنطقة لا تحتاج إلى تجربة هذا النموذج كي تعرف نتيجته , فقد عاشت عقوداً كاملة تحت حكم مركزي صارم في معظم عواصمها، من بغداد إلى دمشق إلى القاهرة إلى تونس، وكانت الحصيلة معروفة سلفاً , قمع وفساد وتغييب للمشاركة، إلى أن انفجر كل ذلك عام 2011 فيما عُرف بـ”الربيع العربي”، حين خرجت الشعوب لتقول بصوت واحد إنها لم تعد قادرة على احتمال مركز يحتكر القرار والثروة والأمن معاً. فالتجربة التاريخية القريبة تقول بوضوح إن النموذج المركزي في هذه المنطقة تحديداً لا يفضي إلى استقرار، بل يزجّ بها في دوامة متكررة من الانفجارات والدماء كلما بلغ القمع سقفه؛ ومع ذلك يبدو باراك مُصرّاً على إعادة إنتاج السيناريو نفسه بحذافيره، وكأنه لم يقرأ التاريخ القريب، أو قرأه واختار أن يتجاهل نتيجته المحتومة.

 أفكار الرجل هذه قد تبدو منطقية في دولة مستقرة ذات مؤسسات راسخة، لكن المشكلة تبدأ حين تُسقط هذه الوصفة على منطقة لم تحسم بعد صراعاتها القومية والدينية والمذهبية، ولم تنجح تاريخياً في الفصل بين قوة الدولة وقوة الحاكم. وقد قال باراك في أكثر من مناسبة إن الفدرالية لا تصلح لسوريا، ودافع عن نموذج الدولة الموحدة والجيش الواحد، وارتبط اسمه بالدفع نحو دمج كورد سوريا وقواهم الذاتية في مؤسسات الدولة الجديدة تحت سقف مركزي واحد، انطلاقاً من افتراض أن إزالة مراكز القوة خارج العاصمة ستقود تلقائياً إلى استقرار أكبر. وهذا الافتراض يتجاهل سؤالاً أخطر وهو :- ماذا لو لم تكن المشكلة التاريخية في المنطقة ضعف المركز، بل قوته المفرطة كلما غابت المؤسسات القادرة على تقييده؟
فالإعلام يكرر دائماً حكاية “هشاشة المؤسسات”، بينما الحقيقة الأعمق في الشرق الأوسط هي طغيان المركز على السلطة وتحوّله إلى أداة هيمنة واحتكار تقمع التنوع بدل أن تديره. والحديث عن جيش واحد وحكومة واحدة بلا ضمانات ولا دستور يقيّد العاصمة، يعني ببساطة تسليم مصير شعوب بأكملها لطرف واحد يمسك بمفاتيح المركز، وهو دعوة مبطّنة لاستبدال فوضى معلنة باستبداد منظّم. والمفارقة الأكبر أن الدولة التي يمثلها باراك نفسه، أي الولايات المتحدة، ليست نموذجاً لمركزية الصلاحيات، بل قامت أصلاً على فدرالية معقدة توزّع السلطة بين واشنطن والولايات وتمنع احتكار القرار في العاصمة، فلماذا يُطلب من الشرق الأوسط ما ترفضه واشنطن على نفسها؟ ولماذا تُقدَّم اللامركزية هناك كتهديد للوحدة، بينما هي هنا صمام أمان للديمقراطية؟
وهذا ليس نقاشاً أكاديمياً في شكل الإدارة، بل درس قاسٍ دفعته المنطقة ثمنه عقوداً؛ فالدول التي بالغت في تركيز السلطة لم تصبح بالضرورة أكثر استقراراً، بل شهد كثير منها انقلابات وحروباً أهلية وانتفاضات وانهيارات، لأن الدولة التي تمرّر كل قرار سياسي وأمني واقتصادي عبر العاصمة تبدو قوية في زمن الهدوء، لكنها تتهاوى بسرعة حين تدخل البلاد أزمة، إذ لا يبقى أمام المكونات والمناطق سوى خيارين: الخضوع الكامل للمركز، أو البحث عن سبل أخرى لحماية وجودها. والحديث عن “الدولة الواحدة” من دون الحديث عن حدود سلطة هذا المركز وضمانات توزيع الثروة والأمن ليس أكثر من نصف إجابة، وربما أخطر نصف إجابة، لأن شعار الوحدة يتحول بسهولة إلى غطاء لتبرير المزيد من تركيز السلطة، ثم يتحول تركيز السلطة إلى مبرر لحماية الوحدة، فتدور البلاد في الحلقة المفرغة ذاتها التي جربتها المنطقة مراراً.
ثم يقودنا هذا إلى وهم آخر لا يقل خطورة وهو “وهم المبعوث المخلص، واختبار ما بعد الرحيل”.. فأي تسوية سياسية يعتمد بقاؤها على وجود مبعوث أجنبي يراقب التنفيذ هي تسوية ميتة إكلينيكياً منذ لحظة توقيعها. النجاح الحقيقي لا يُقاس بحجم الهتافات ساعة الإمضاء، بل بما يتبقّى على الأرض حين يغادر المبعوث الغرفة وتُطفأ كاميرات التلفزيون؛ فالاستقرار المستدام تفرضه مصالح الأطراف المحلية المتوازنة، لا ضغوط “المندوب السامي” وحساباته المرحلية.
والخطورة الأكبر تظهر حين تتحول هذه الرؤية إلى سياسة أميركية فعلية، لأن واشنطن لا تتعامل مع فراغ، بل مع شبكة حلفاء بنت علاقاتها معهم على مدى سنوات؛ بعضهم قاتل إلى جانبها ضد تنظيم داعش، وبعضهم يمثل مؤسسات سياسية قائمة منذ عقود. وحين تصبح الأولوية فجأة التعامل مع سلطات جديدة بصرف النظر عن تاريخها، بسرعة أكبر من استعداد واشنطن لاختبار نيّاتها، فإن الرسالة التي تصل إلى الحلفاء التاريخيين ليست أن أميركا تعيد تقييم مصالحها فحسب، بل أن التحالف معها قابل لإعادة التفاوض بمجرد ظهور مركز قوة جديد في العاصمة، وهي رسالة قد تكلف واشنطن أكثر بكثير من أي صفقة سياسية عابرة. وفي سوريا تحديداً تبدو المسألة شديدة الحساسية , فكورد سوريا كانوا شركاء رئيسيين لواشنطن في الحرب على داعش، ودفعوا فيها ثمناً باهظاً من أبنائهم، وواشنطن تعرف حجم هذا الدور أكثر من غيرها، ثم أصبحت الأولوية فجأة دمجهم في مؤسسات مركزية جديدة تحت شعار “الدولة الموحدة”، من دون أن يُجاب سؤال الضمانات في بناء دمشق دولة يشعر فيها كورد سوريا بأنهم شركاء متساوون..
وهذا السؤال لا يخص مكوناً بعينه ولا يُختزل في قضية واحدة، بل يخص كل جماعة راكمت عبر التاريخ أسباباً وجيهة للتوجس من مركز لم يكن يوماً محايداً. فمشكلة الشرق الأوسط لم تكن يوماً أن شعوبه ترفض فكرة الدولة، بل أن قطاعات واسعة منها فقدت ثقتها بالدولة يوم تحوّلت إلى أداة بيد حزب أو طائفة أو عائلة أو جهاز أمني. وبناء هذه الثقة لا يبدأ بإخبار الناس أن المركز يجب أن يصبح أقوى، بل بإثبات أن المركز نفسه أصبح مقيّداً بدستور وقانون ومؤسسات تحاسبه، لا مبعوثاً أجنبياً يمنحه شرعية مؤقتة.
إن الشرق الأوسط ليس مساحة فارغة تنتظر مهندساً سياسياً قادماً من خلف البحار، وحين يقول باراك إن المنطقة تنسج نظامها من الداخل فهو ينطق بالحقيقة كاملة، لكنه يرفض الاعتراف بنتائجها المنطقية. باراك يريد دولة واحدة، وهذا ليس موضع اعتراض في ذاته؛ الاعتراض أن الدولة الواحدة ليست بالضرورة الدولة المركزية، وأن الدولة المركزية ليست بالضرورة الدولة القوية، وأن الدولة القوية ليست بالضرورة الدولة المستقرة. وأمام واشنطن اليوم خياران لا ثالث لهما: إما أن تظل رهينة كوكبها الافتراضي، تحاول عبثاً قطع خيوط التاريخ التي لا تعجبها وإجباره على الركض نحو قالب جاهز عبر مندوب سامٍ يوزّع الوصفات من فندق فخم، أو أن تمتلك الشجاعة الكافية لتتواضع أمام تعقيدات المنطقة وتترك شعوبها تنتج عقوداً اجتماعية حقيقية قادرة على الصمود بعد رحيل آخر مبعوث أجنبي. ومن يظن أنه يستطيع، بقرار سياسي عابر، أن يفعل ما عجز الأنبياء عن فعله، فهو لا يقرأ الواقع، بل يعيش خارج الزمن تماماً، وسيكتشف بعد سنوات أن واشنطن لم تساعد المنطقة على بناء دول قوية، بل ساعدتها على بناء مراكز قوية أعادت إنتاج الأزمات ذاتها التي جاء المندوب السامي أصلاً لمعالجتها.

الأكثر متابعة

All
الدولار يتراجع أمام الدينار مع إغلاق أسواق بغداد وأربيل

الدولار يتراجع أمام الدينار مع إغلاق أسواق بغداد...

  • إقتصاد
  • 20 Sep
خبير اقتصادي يحدد 4 أسباب لارتفاع الدولار ويدعو المركزي لإجراءات عاجلة

خبير اقتصادي يحدد 4 أسباب لارتفاع الدولار ويدعو...

  • إقتصاد
  • 19 Sep
موازنة 2027 أمام تدقيق نيابي شامل.. الشمري: لا أزمات تعرقل إقرارها

موازنة 2027 أمام تدقيق نيابي شامل.. الشمري: لا...

  • إقتصاد
  • 19 Sep
الكناني: واشنطن وضعت 10 نقاط لاستمرار تحويل الأموال العراقية

الكناني: واشنطن وضعت 10 نقاط لاستمرار تحويل الأموال...

  • إقتصاد
  • 21 Sep

اقرأ أيضا

All
موسم النحيب واللطم على منبر الامم المتحدة
مقالات

موسم النحيب واللطم على منبر الامم المتحدة

وقف إطلاق النار الشامل: من اليمن إلى غزة.. طريق الأمن الحقيقي
مقالات

وقف إطلاق النار الشامل: من اليمن إلى غزة.. طريق الأمن الحقيقي

نتنياهو الصهيوني وأبو بكر البغدادي: فكر داعشي وإن اختلفت الوجوه
مقالات

نتنياهو الصهيوني وأبو بكر البغدادي: فكر داعشي وإن اختلفت الوجوه

توماس باراك.. مندوب سامٍ يبحث عن خريطة الأنبياء
مقالات

توماس باراك.. مندوب سامٍ يبحث عن خريطة الأنبياء

Almaalouma

المعلومة: وكالة اخبارية عامة مستقلة، تتميز بالجرأة والموضوعية والمهنية والتوازن،شعارها، خبر ﻻ يحتاج توثيقا، لدقة وتنوع مصادرها الخاصة وانتشار شبكة مراسليها

الأقسام

  • أخبار
  • مقالات وكتاب
  • فيديوهات
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  • منوعات
  • انفوكرافيك

روابط مهمة

  • سياسة الخصوصية
  • من نحن
  • اتصل بنا

تابعونا