موسم النحيب واللطم على منبر الامم المتحدة
لعله من المهم وقبل الحديث عما يجري في أروقة الجمعية العامة للامم المتحدة في دورتها الواحدة والثمانين التأكيد مجددا على أنه في الوقت الذي كان المهرجان الخطابي الرسمي لكبار قادة العالم مستمر من خطاب التهديد والغطرسة للرئيس ترامب الى خطاب الاعتراف بالذنب والعارالذي سيلاحق العالم للرئيس الفرنسي ماكرون وما بينهما أيضا من خطابات النحيب واللطم للقادة و الحكام العرب , كانت الابادة مستمرة في غزة و كان أهالي القطاع يحصون ضحايا القصف المستمر ويحصون معها عدد ما تم اخراجه من جثث تحت الانقاض فيما كانت الة الاحتلال العسكري و قطعان المستوطنين يقطعون الشجر ويسرقون الارض في الضفة الغربية وتواصل قصف الاراضي اللبنانية و التوسع في الجولان السوري …أما في البحر الاحمر ومضيق هرمز فقد كان الخطاب الحربي مستمر بين واشنطن وطهران وتل أبيب …في خضم هذا الجزء من العالم أوما يعرف بالشرق الاوسط الكبير فان كل المؤشرات تدفع الى الاعتقاد أن التوترو الصراعات وعدم الاستقرار يجب أن يظل سيد المشهد من السودان الى اليمن و سوريا و لبنان و فلسطين ففي ذلك بقاء واستمرار الكيان الاسرائيلي الذي يتغذى من الدماء والحروب ..
وبالعودة الى المهرجان الخطابي السنوي في الامم المتحدة فانه وبرغم كل القتامة وكل مشاهد القتل اليومي والدمار من غزة الى الضفة وبرغم قرار ترامب الارعن وغير السؤول بتغييب السلطة الفلسطينية ومنع الوفد الفلسطيني فقد تصدرت القضية الفلسطينية المشهد و تحولت الجمعية العامة الى محاكمة علنية لكيان ارهابي نشأ للاسف بقرار أممي جائر من رحم الامم المتحد ولكنه وداس على كل قراراتها واستهزأ بكل أحكام القانون الدولية وهو يدفع اليوم يدعم حليفه ترامب الى التخلص مما بقي من الشرعية الدولية وقوانينها التي لم تجد للتنفيذ موقعا ..و من هنا يأتي خطاب الرئيس ترامب الذي اختار كعادته لغة الوعيد و التهديد بدفع بلد عضو في الامم “إلى الجحيم” مفاخرا بأن الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم و أنها نجحت تحت قيادته في مواجهة خصومها وإعادة تشكيل النظام العالمي لمصلحتها…نعم و النظام العالمي الذي يريده ترامب يلغي نهائيا القانون الدولي و الشرعية الدولية و هيات الامم المتحدة و الجنائية الدولية و يفرض شرعية الاقوى على الاضعف .. تهديدات ترامب امتدت الى أميركا اللاتينية، ولوح بأن كوبا التي يحكمها الشيوعيون “ستسقط” قريبا…أمام الغطرسة الامريكية يظهر الامين العام للامم المتحدة في خطاب الوداع في دور الواعظ الذي ليس له من سلاح غير النصح أو التحذير من “شبح التطهير العرقي” في ظل ممارسات اسرائيل …
طبعا لا يمكن تجاهل خطاب الرئيس الفرنسي ماكرون وهو اخر خطاب له مع اقتراب نهاية ولايته الرئاسية الثانية بتحذيره من هيمنة “قانون الغاب “على العالم قائلا إن “عالم اليوم يشهد تركزا للقوة يجعل البعض يعتقد أنه قادر على تجاهل القانون الدولي أو سيادة الشعوب فيما يرى آخرون أنهم قادرون على اتخاذ قرارات تتعلق بمستقبل الكوكب بما في ذلك تغير المناخ والذكاء الاصطناعي”…ماكرون جدد دعم فرنسا للامم المتحدة و محكمة العدل الدولية ووصف ما يجري في غزة بأنه عارعلى الجميع وان احترام القانون الدولي أولوية للجميع…كلام كثير قيل على منبر الامم المتحدة عن عدالة دولية مفقودة وشرعية دولية تائهة يدوسها الاقوى وشعوب تواجه الابادة ولا تجد لها نصيرا, وقد خبر العالم أن كل الخطب و الاعترافات و التحذيرات لا تغير العالم و لا تمنع جرائم الحرب و لا تزيل جرائم الاحتلال كما حدث بعد الحرب العالمية الثانية عندما كانت الامم المتحدة منبرا لاعلان حق الشعوب في الحرية والسيادة والكرامة .. و الحقيقة أنه لو كان بامكان ترامب أن يعلن خلال هذه الدورة نهاية الامم المتحدة و الغاء الميثاق الذي قامت عليه سيفعل دون تردد …بل انه يعتبر أنه في مجلس السلام الذي أعلنه في غزة بديل لهذه المنظمة وكل ما يقوله ويفعله ترامب يعزز القناعة بأنه مسكون بوهم أنه صانع للسلام لم يعرف له مثيل …
خلاصة القول ليس هناك معجزات تتحقق على وقع العصا السحرية ,بدون اصلاح جذري يضع حدا لسيف الفيتو المسلط على الرقاب و بدون تفعيل للشرعية و العدالة الدولية على الارض و بدون قرارات عقابية و ضغوط على مجرمي الحرب و مرتكبي الابادة في اشكالها المتعددة منذ أربعينات القرن الماضي في كل انحاء فلسطين فان هيئة الامم المتحدة و مؤسساتها ستبقى رهينة حسابات الادارة الامريكية التي جعلها الرئيس الحالي دونالد ترامب تتجاوز كل الخطوط الحمراء التي لم يتجرأ عليها أسلافه في البيت الابيض في دعمه و تحالفه و تواطئه المفرط مع كيان ارهابي أرهن بالدعم السياسي و الديبلوماسي و العسكري و الدعائي الجمعية العامة و مهما كانت صدق ارادة أعضاءها في الانتصار للحق و للعدالة الدولية تبقى مبتورة الاطراف وعاجزة أمام تسلط ترامب ..نعم لقد صوتت اكثر من 150 بلدا لصالح حضور الوفد الفلسطيني اجتماعات الجمعية العامة وهذا للمرة الثانيةعلى التوالي ولكن الجمعية عجزت عن فرض قرارها … و الى أن يأتي ما يخالف ذلك و تتضح صورة و أهداف النظام العالمي الجديد لن تتوقف لعبة الابتزاز و المساومة و المتاجرة بالقانون الدولي و الشرعية الدولية ..