من يملك قرار العراق؟ الدولار أم السيادة؟
كتب / نجاح محمد علي
هناك سؤال يجب أن يُطرح في العراق اليوم بصراحة: أين العراق؟
ليس السؤال عن موقف بغداد من واشنطن أو طهران فقط، وإنما عن معنى السيادة ، التي يريدون الاحتفال بها يوم 30 أيلول سبتمبر الجاري ، عندما تتحول العقوبات الأمريكية إلى قرارات تُطبَّق داخل العراق.
اليوم تُوقَف الرحلات الإيرانية في مطارات عراقية، من بغداد إلى النجف وأربيل والسليمانية، في وقت تتعرض فيه إيران لضغوط أمريكية واسعة على قطاع الطيران. وفي النجف تحديداً، المدينة التي ترتبط بإيران بعلاقات دينية واجتماعية واقتصادية عميقة، أُوقفت الرحلات الإيرانية أيضاً.
هنا يصبح السؤال أكبر من الطيران.
أين العراق من إيران التي وقفت إلى جانبه عندما كان تنظيم داعش يهدد بغداد وكربلاء والنجف؟
وأين ذهبت تلك العلاقة التي تحدث عنها العراقيون طويلاً، حين كانت إيران من الدول التي قدمت دعماً عسكرياً وسياسياً للعراق في الحرب على داعش ، وقدمت كبار جنرالاتها شهداء دفاعاً عن سيادته؟
هل تكون النتيجة، بعد كل ذلك، أن يُغلق مطار عراقي أبوابه أمام الطائرات الإيرانية لأن واشنطن قررت فرض حضر على شركات الطيران الإيرانية؟
المشكلة ليست في حق العراق في تنظيم مطاراته وحدوده. هذا حق سيادي لا جدال فيه.
لكن السيادة تعني أيضاً أن يكون القرار عراقياً، لا أن تصبح العقوبات الأمريكية الأحادية وغير الملزمة هي التي تحدد من يهبط في مطارات العراق ومن يُمنع منها.
وهنا تحديداً تبرز النجف.
مدينة تحتفل بألفية حوزتها الدينية يقصدها ملايين الزوار الإيرانيين، وتربطها بإيران علاقات دينية واقتصادية وإنسانية لا يمكن اختزالها في ملف طيران. وحتى قبل قرار الإيقاف، كانت الرحلات بين إيران والنجف تمثل شرياناً مهماً للحركة بين البلدين. وتشير بيانات الرحلات المنشورة إلى أن الغالبية الساحقة من رحلات مطار النجف كانت مرتبطة بمدن إيرانية.
فهل يُعقل أن تتحول هذه المدينة تحديداً إلى إحدى ساحات تنفيذ العقوبات الأمريكية على إيران؟
هنا يعود السؤال الأول:
من يملك قرار العراق؟
العراق الذي يملك النفط والموانئ والمطارات والحدود، أم شبكة العقوبات والدولار التي تستطيع أن تدفعه إلى تغيير علاقاته مع جيرانه؟
والمفارقة أن الأمر لا يتوقف عند الطيران.
العراق نفسه يعرف معنى أن تكون تحت الضغط الخارجي. ويعرف أن السيادة لا تُقاس بعدد البيانات التي تصدرها الحكومات، بل بقدرة الدولة على اتخاذ قرارها عندما تتعارض مصالحها مع إرادة قوة كبرى.
وإذا كان العراق قد وقف في السنوات الماضية أمام خطر وجودي، وكانت إيران أول الدول التي ساندته في تلك المواجهة، فمن حق العراقي اليوم أن يسأل:
هل هكذا تُردّ المواقف؟
هل تكون مكافأة من وقف مع العراق أن تُمنع طائراته من الهبوط في مطاراته؟
وهل أصبحت علاقة العراق بجيرانه تُقاس بما تسمح به واشنطن؟
ثم نصل إلى هرمز.
قد يبدو مضيق هرمز بعيداً عن العراق، لكنه يمس اقتصاده مباشرة. فالعراق يعتمد بدرجة كبيرة على صادرات النفط التي تمر عبر هذا الممر، بينما يعتمد اقتصاد الدولة نفسه على عائدات النفط.
وهكذا يصبح العراق أمام سؤال واحد من جهتين:
من يملك قرار الطائرة التي تهبط في مطاره؟ ومن يملك طريق البرميل الذي يخرج من أرضه؟
إذا كان الجواب في الحالتين مرتبطاً بإرادة خارجية، فالمشكلة ليست في الطيران وحده ولا في هرمز وحده.
المشكلة في مفهوم السيادة نفسه.
العراق لا يحتاج إلى قطع علاقته بأمريكا كي يكون مستقلاً، ولا يحتاج إلى أن يكون تابعاً لإيران كي يحافظ على علاقته بها.
ما يحتاجه هو شيء أبسط وأصعب:
أن يكون القرار عراقياً.
وأن يعرف الجار والصديق والخصم أن بغداد لا تغلق مطارها لأن واشنطن طلبت، ولا تفتح حدودها لأن طهران طلبت.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن أن تنسى بغداد من وقف معها عندما كانت المعركة على أبوابها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس فقط:
من يملك قرار العراق؟
بل:
هل يملك العراق قراراً مستقلاً أصلاً؟