ارتفاع الأسعار في الأسواق : مظاهر ومسببات تبحث عن معالجات
كتب / د.باسل عباس خضير …
اطلعنا من خلال إحدى وسائل الإعلام ، على نتائج لإحدى الدراسات جاء فيها ، إن الحد الأدنى الذي يجب إن تدفعه العائلة العراقية المكونة من 5 أفراد هو 665 ألف دينار شهريا ، لتعويض التردي في الخدمات الحكومية ، لسبع فقرات من الأساسيات ( الكهرباء ، التعليم ، الصحة ، البلدية ، ماء الشرب ، النقل ، الانترنيت والاتصالات ) ، ومع إننا لا نعول على هذه الدراسة كأساس للقياس لسببين ، أولهما عدم إعطاء تفاصيل عن المنهجية والعينة في الإعداد واختبار النتائج وإمكانية التعميم ، وثانيهما إنها تفترض تحمل الحكومة لأعباء كل الخدمات رغم وجود نشاطات واسعة للقطاع الخاص ، ورغم ذلك فان الموضوع الذي جاء فيها يستحق الاهتمام بالفعل ، فالكثير من عوائلنا الكريمة ، باتت تعبر بصوت مسموع ( بطرق مختلفة ) عن الصعوبات التي تواجهها ليس في الفقرات السبع فحسب ، وإنما في تدبير الأمور الأساسية ، التي تقع في المرتبة الأدنى من سلم (ماسلو : نظرية الحاجات ) للحاجات ، التي ترتبط بمتطلبات الحياة المهمة ومنها السكن والأكل والكسوة .
ومن المعروف إن عددا من العوائل تواجه هذه المعاناة منذ عقود و سنوات ، بدليل شمول الحكومة لا كثر من ( 2 ) مليونين عائلة بشبكة الحماية الاجتماعية التي تخص 7 ملايين فرد ، ولكن الملفت في الموضوع ، إن فجوة الحاجة للمتطلبات الأساسية ، أخذت تتوسع لمزيد من العائلات ( لمعدومي ومحدودي الدخل في البلاد ) ، والتوسع يعود لعوامل عديدة ونخص بالذكر منها هنا ( الزيادة السكانية ، ارتفاع الأسعار ) ، وحسب البيانات الرسمية الصادرة عن نتائج التعداد السكاني ، فان معدل الزيادة السنوية في العراق تبلغ 2.3% ، وتعني هذه النسبة زيادة عدد السكان لأكثر من مليون نسمة سنويا (عدد السكان أكثر من 46 مليون ) ، وهذه الزيادة تستلزم ما يقابلها من المتطلبات الحيوية ، وما يرافق نموها العمري من متطلبات ، والواقع الذي نعيشه منذ زمان ، هو ضعف التناسب بين التنمية المستدامة وحاجات السكان ، فهي تعاني النقص للموجودين فعلا ، لذا تزداد الصعوبات ( على العائلة والدولة ) مع تلك الزيادات ، ويتم كل ذلك في ظل عدم وجود سياسات تعنى بموضوع الخصوبة والولادات .
ورغم إن إجمالي عدد الأفراد الذين يتقاضون رواتب ومساعدات من الدولة ( موظف ، متقاعد ، حماية ، غيرها ) هو بحدود 10 – 12 مليون ، إلا إن حجم المعاناة تتصاعد لان الرواتب بعضها ثابتة ( التقاعد ، الحماية ) ، وبعضها الآخر تزداد بنسب لا تواكب مستويات الارتفاع في الأسعار ، وعلى وفق الإحصاءات التي تصدرها الجهات الرسمية ، فان معدل التضخم يبلغ 4.3% ، ولكن خلال الأشهر الماضية من العام الحالي ، ارتفعت أسعار التسوق في الأسواق ، وذلك واضح من خلال شراء اغلب المتطلبات المعاشية والاحتياجات ( بحدود 10% - 30% ) متأثرة بعدة عوامل ، أولها تطبيق التعديل على قانون التعرفة الكمركية لعام 2026 ، الذي شمل بالزيادة عدة فقرات منها ( 65 % مساحيق الغسيل والمنظفات ، 30 % للسلع الالكترونية والأجهزة ، 15 % فأكثر للسيارات وحسب الأنواع ، 15 % - 30% للملابس والأحذية ، 5 % للمواد الغذائية ) ، وكان مبرر الحكومة في فرض هذه التعريفة ، هو لمنع التهرب والفساد في الكمارك ولزيادة إيرادات المنافذ الحكومية بما ينعكس خيرا على البلاد ، وواقع الحال اشر انتقال آثارها للمواطن ، لان المستورد يعدها من التكاليف ويحملها على البضاعة ، مما أدى لارتفاع الأسعار لأكثر من النسب المحددة في الكثير من الحالات ، وقد جرى كل ذلك في ظل الارتفاع العالمي للأسعار ، الذي نشا من إغلاق مضيق هرمز وما تمر به المنطقة من أحداث ، وانتقلت تأثيرات كل ذلك على معظم السلع والخدمات .
وما يجري حاليا ومنذ شهور ، يعاكس تماما مفردات البرنامج الحكومي ، فنوايا الحكومة موجهة لرعاية المواطنين ، من خلال تخليص البلد من الفساد والسعي لزيادة إيرادات الدولة لينعكس خيرا على الفقراء كأسبقيات ، وواقع الأسواق يشهد تناميا في ارتفاع الأسعار ، إلى جانب حالة من الركود ، التي تصيب المشاريع الصغيرة والمتوسطة واغلب شركات القطاع الخاص ، والمشهد المألوف حاليا هو الزيادة المتواصلة في الأسعار وانخفاض الطلب رغم زيادة العرض ، فحجب أكثر من 5 ملايين مستفيد من البطاقة التموينية بسبب محددات الدخل وغيرها ، ولد ضغطا على الأسواق فارتفعت أسعار مفرداتها من الطحين والرز والزيوت ، والتوجه بإعادة النظر بأسعار المنتجات النفطية ولد زيادة مبكرة في الأسعار ، ومنصة ( عقاري ) شلت جزءا من حركة البيع والشراء ، وأوضاع المدارس والجامعات والمراكز الصحية والمستشفيات ، اضطرت الكثير من العوائل لولوج القطاع الخاص ، كما إن القرار لتقنين بيع الدولار للمسافرين ، رفع سعر صرف الدولار لقرابة 160 ألف دينار ، وعجز السيولة الذي روج له لبعض المصارف الأهلية ، إلى جانب الإعلان عن النوايا في تغيير بنية المصارف الحكومية اثر على حركة الإيداع والادخار وشجع اكتناز الأموال .
ومما يخشى منه الكثير، هو أن تكون هناك انعكاسات متعددة على موضوع ارتفاع الأسعار ، ليس في الجوانب الاقتصادية فحسب ، وإنما في الجوانب الاجتماعية المتعلقة بالزواج والإنجاب والطلاق ، وفي الجوانب النفسية من القلق الذي ينتاب البعض ، بعد الإعلانات المتكررة عن حجم العجز الذي وصلته الموازنات الاتحادية ، والتي تطرح بدون حلول مما يجعل البعض يعتقد بان الدولة على وشك الإفلاس ، وفي مجالات المحافظة على الموارد البشرية في البحث عن الهجرة ، من اليأس في إيجاد فرص العمل لما تعانيه قطاعات الاقتصاد ، والمسالة برمتها تحتاج لقرارات وأفعال ولإجراءات ، تطمئن الأسواق وتعالج المغالاة وتضرب من يستغل ، لتعطي الأمل بان البلد بخير ويسير في بر الأمان من خلال التعريف بالحلول ، وقبل هذا وذاك لابد من التأكيد على إشباع الأنفس و البطون ، لا من خلال ولائم الفواتح والأعراس وفي المناسبات ، وإنما بالسيطرة على ارتفاع الأسعار ، لتطمأن نسبة مهمة من السكان ، بأنهم قادرون على العيش الكريم على ما يأتيهم اليوم من أرزاق الحلال .