العراق دولة المقاولات
لم أكن أستوعب ما كان يتردد قبل سنوات، من أن مقاعد البرلمان والحقائب الوزارية تُباع وتُشترى بصفقات. كانت الأسعار خيالية لا يصدقها العقل؛ فما معنى أن يشتري شخص ما مقعدًا برلمانيًا بمليار دينار، أو يشتري آخر حقيبة وزارية بعشرة ملايين دولار؟!
النائب في البرلمان والوزير في الحكومة راتبهما محدودان، فلو أمضيا أربع سنوات في وظيفتيهما، فلا يجنيان من رواتبهما عُشر معشار ما سيدفعانه لشراء تلك المناصب! فما هو السر في تكالب هؤلاء الناس على سوق الصفقات والمقاولات وبيع وشراء المناصب؟
انكشف السر مع اعتقال عدنان الجميلي. كان مجرد مدير عام للمصافي، لكنه استطاع أن يكون لنفسه إمبراطورية مالية، يوزع من خلالها ملايين الدولارات وأطنانًا من الذهب لشراء ذمم المسؤولين، ليس في مديريته فحسب، بل وزّع أموالًا كأنه هارون الرشيد على نواب البرلمان والوزراء ورؤساء الكتل، بل وحتى على سائقيهم وأفراد حماياتهم الشخصية، لتغطية سرقاته. حتى إنه دفع ثمن ملابس داخلية مصنوعة من ذهب لنائبة في لجنة نزاهة البرلمان!
يبقى هناك سؤال يُلحّ عليَّ دائمًا: إذا كان مدير عام في وزارة يتحكم بتلك الإمبراطورية المالية من سرقات المال العام، ترى كم يمتلك وزيره الأعلى؟ وإذا كان نائب في البرلمان يحصل على عشرات الملايين من صفقات البيع والشراء، فكم يمتلك رئيس البرلمان؟
القاعدة الأساسية تقول: «شيلني أشيلك». وباللهجة العراقية: «راح أنطيك، لا تحچي». وإلا، هل من المنطقي أن لا يعرف الوزير أو رئيس البرلمان بما يجري في وزارته، أو تحت قبة برلمانه؟
لا يعقل أن تجري كل هذه السرقات من المال العام، ورئيس الوزراء ووزراؤه، ورئيس البرلمان ونوابه، لا يعلمون بما يحدث، في حين تشير آلاف التقارير الدولية والبرامج التلفزيونية المحلية إلى الفساد الهائل المستشري في مرافق الدولة بالعراق، في وضح النهار؟
لا يعقل أن لا تتساءل مع نفسك: كيف أن نائبًا في البرلمان أو مسؤولًا في الدولة يصبح بين ليلة وضحاها من أصحاب المليارات، وتسير خلفه قافلة طويلة من سيارات الحماية، ويوزع الأموال في مضايفه ودواوينه، ويسافر إلى جزر الكاريبي ودول أوروبا في العطلات، ويشتري جوازات سفره من الدومينيكان، دون أن تسأله الدولة: ماذا تفعل بجواز دولة تقع في أقصى أقاصي الأرض؟
لا يمكن أن تصم أذنيك وتعمي عينيك عن صراخ المواطنين في وسائل الإعلام، وحين يخرجون في تظاهرات وهم يحتجون على فقر الحال وتردي أوضاع الخدمات بسبب الفساد.
لا يمكن ألا تتساءل: نحن دولة نفطية تصدّر يوميًا أربعة ملايين برميل من النفط، فلماذا إذن نستورد الوقود والغاز من دول الجوار؟ ولماذا لا تستطيع الدولة معالجة مشكلة الكهرباء؟ ولماذا تعجز الحكومة عن تعيين خريجي الجامعات؟ ولماذا تواجه الدولة عجزًا في الميزانية، ولا تستطيع إلا بشق الأنفس تدبير رواتب موظفيها؟
عندما تكشف التقارير عن فقدان تريليوني دولار من خزينة الدولة خلال عشرين عامًا فقط بسبب السرقات والفساد، ألا يسأل أحد عن أسباب هذا الهدر الهائل في المال العام؟
تريليونا دولار كانا يكفيان لبناء «مترو» في 19 محافظة عراقية، وبناء أسطول من ناقلات النفط والسفن التجارية، وتسليح الجيش بأحدث أنواع الأسلحة لحماية العراق من التدخلات الخارجية، وبناء آلاف المدارس لأطفال يجلسون على البلوكات، بينما السقوف تنهدم عليهم. وكانا يكفيان لبناء آلاف المستشفيات الحكومية، حتى في القرى والأرياف النائية، وتدعيم تأمين صحي متكامل للمواطن، كما تفعل دول أوروبا، وإعادة تأهيل مئات المصانع والمعامل الحكومية بما يؤمّن الاكتفاء الذاتي، ودعم القطاع الزراعي بما يؤمّن الغذاء للمواطنين، بدل استيراد الكرفس والكراث من الخارج!!!
تريليونا دولار ذهبا إلى جيوب مجموعة صغيرة لا يتجاوز عدد أفرادها مئات الأشخاص، وبقي 46 مليون مواطن عراقي ينوء تحت وطأة الفقر والجوع والتهميش وفقدان الخدمات، فيما تُخفى أموالهم في السقوف وبين الجدران، وتُدفن في آبار المزارع، بل وحتى تُحشى في براميل «الطرشي»!!