استدامة المال العام وإعادة هيكلة حمايات المسؤولين
كتب / صبيح الكعبي
قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز
«وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا» [الإسراء: 29].
وقد قيل قديماً في حكم السياسة والاجتماع إِذَا أَسْرَفَتِ البِطَانَةُ فِي التَّرَفِ، نَفَدَتْ خزائن الأمم وهو ما يُترجمه صدقاً قول أمير الشعراء:
وَمَا نَيْلُ المَطَالِبِ بِالتَّمَنِّي … وَلَكِنْ تُؤْخَذُ الدُّنْيَا غِلَابَا
انطلاقاً من هذه المرتكزات الثلاثة؛ التي تجمع بين الهدي الرباني، والحكمة الفلسفية، والهمة الشعرية، يواجه الاقتصاد العراقي اليوم تحديات بنيوية تتطلب مراجعة شاملة وقراءة فاحصة لأوعية الإنفاق الحكومي، لاسيما تلك التي لا تعود بنفع إنتاجي ملموس على عجلة التنمية. ومن رحم هذه التحديات، يبرز ملف “الحمايات الشخصية ونفقات المكاتب للمسؤولين” كأحد أكثر الملفات استنزافاً للموازنة التشغيلية؛ إذ تجاوز في كثير من الأحيان أبعاده الأمنية المبررة ليتحول إلى ما يُشبه “البطالة المقنعة” المقننة، وهدراً مستمراً للأصول العامة.
وعند النظر إلى هذا الواقع بعين التحليل الهادئ، نجد أن لغة الأرقام الصادرة عن التقارير البحثية تشير إلى أن منظومة الحمايات والمواكب تقتطع سنوياً مئات المليارات من خزينة الدولة. ولا يتوقف هذا النزيف المالي عند حدود الرواتب المباشرة لآلاف العناصر فحسب، بل يمتد بشكل أفقي ليشمل نفقات لوجستية هائلة؛ تترجمها كلف وقود السيارات الفارهة، وتكاليف صيانتها الدورية، فضلاً عن مخصصات السائقين والنثريات المضافة للمقار والسكن، وهي أموال كان الأولى بها أن توظف في خدمة الصالح العام.
وتأسيساً على هذا المنطلق، فإن المعضلة الأعمق لا تقف عند حدود الإنفاق أثناء الخدمة، بل تكمن في غياب مأسسة حقيقية تضبط هذه الامتيازات بعد مغادرة المسؤول لمنصبه بالتقاعد؛ حيث تحولت بفعل العرف السائد إلى امتيازات شبه دائمة. وتُعيد إلى الأذهان الشواهد الحية التي تداولتها الأوساط السياسية والإعلامية -كمثال إثارة ملف بقاء وزيرة الاتصالات السابقة السيدة هيام الياسري في فيلا سكنية تابعة للوزارة مع الاحتفاظ بالعجلات الحكومية بعد انتهاء مهامها- تسليط الضوء على هذه الثغرة الإدارية، وتؤكد الحاجة الملحة لوضع آليات صارمة تضمن استرداد أصول الدولة فور انتهاء الصفة الوظيفية للمسؤول.
ومن أجل حماية أركان الاقتصاد الوطني وتحويل هذه الموارد نحو مشاريع الإعمار التي ينتظرها المواطن، بات لزاماً الانتقال بالملف من ضبابية العشوائية إلى حزم التنظيم الصارم. ويتمثل المقترح الإنقاذي الكفيل بضبط هذا الخلل في نقل المسؤولية الكاملة لهذا الملف إلى “مديرية حماية الشخصيات” بوزارة الداخلية؛ لتكون هي الجهة السيادية الحصرية والمسؤولة قانوناً عن تحديد أعداد الحمايات وحجم العجلات وفق تقييم أمني موضوعي بحت، بعيداً عن اعتبارات الوجاهة السياسية.
إن حصر هذه الصلاحيات بجهة أمنية منضبطة كفيلٌ بإنهاء ظاهرة الفضائيين، وضمان سحب العجلات والعناصر فور انتهاء التكليف الرسمي، مما يعيد للمال العام هيبته، ويحفظ للدولة أصولها الثمينة، ويوقظ الضمير الوظيفي لبناء وطن يُصان فيه الحق وتُحترم فيه الأمانة