الزيدي يهب امريكا مكافأة نهاية خدمة مجزية !!
كتب / د. الياس احمد ...
بعد أكثر من عقدين على الغزو الأمريكي للعراق، وبعد أن غادرت آخر القوات الأمريكية الأراضي العراقية، كان يفترض أن يكون السؤال الأول في بغداد واضحًا: ماذا بقي للعراق من حقوق بعد كل ما جرى؟ ماذا عن الدماء التي سالت، والمدن التي دمرت، والاقتصاد الذي أنهكته الحروب، ومؤسسات الدولة التي تعرضت لهزات عميقة؟ لكن الصورة التي خرجت من واشنطن تبدو وكأنها تقلب المعادلة رأسًا على عقب: بدل أن تذهب بغداد إلى طاولة تفاوض تحمل ملفًا ثقيلًا من الخسائر والمطالب، ذهبت بملف آخر عنوانه العقود والشراكات والاستثمارات والطاقة والنفط.
في يوليو/تموز 2026، أعلنت غرفة التجارة الأمريكية أن قمة الأعمال الأمريكية-العراقية شهدت توقيع وإعلان أكثر من 50 اتفاقًا ومذكرة تفاهم، بقيمة تتجاوز 60 مليار دولار، مع شركات أمريكية كبرى في قطاعات الطاقة والتكنولوجيا والصحة والمصارف وغيرها.
الرقم وحده كافٍ لفتح نقاش واسع: أكثر من 60 مليار دولار من الصفقات والشراكات في وقت لم يسمع فيه العراقيون عن ملف مماثل بهذا الحجم يتعلق بتعويضات عن آثار الحرب أو معالجة المسؤولية عن الكلفة الإنسانية التي خلفها الغزو.
وليس النفط تفصيلًا هامشيًا في هذه القصة. فالعراق، الذي يعتمد اقتصاده ودولته بدرجة هائلة على عائدات النفط، يدخل في شراكات طاقة ضخمة مع الشركات الأمريكية، وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد استثمار أجنبي؛ إنها تتعلق بثروة سيادية هي المصدر الأساسي لتمويل الدولة. والأخطر أن تقريرًا حديثًا لرويترز أشار إلى أن النفط يمثل نحو 90% من موازنة الدولة العراقية، وأن عائدات النفط العراقي ما زالت تمر عبر ترتيبات مالية مرتبطة بالبنك الفيدرالي الأمريكي في نيويورك، ما يمنح واشنطن نفوذًا اقتصاديًا مهمًا على بغداد حتى بعد انتهاء الوجود العسكري الأمريكي المباشر.
وهنا تظهر المفارقة بأقسى صورها: الجندي الأمريكي يخرج من العراق، لكن النفوذ الاقتصادي لا يخرج بالضرورة معه.
ولهذا تبدو الصورة اليوم مستفزة لكثير من العراقيين: بلد دفع ثمنًا بشريًا واقتصاديًا هائلًا، ثم يجد نفسه أمام احتفال بتوقيع عشرات الاتفاقات التجارية مع الدولة التي قادت الحرب، وكأن التاريخ يمكن أن يُختصر في مؤتمر اقتصادي وصورة جماعية أمام عدسات الكاميرات.
المشكلة ليست في أن تستثمر شركة أمريكية في العراق؛ المشكلة في أن يصبح النفط العراقي ورقة التفاوض الأساسية بينما تغيب عن الطاولة أسئلة الحرب ونتائجها، المشكلة ليست في توقيع عقد، وإنما في أن يكون المواطن العراقي هو آخر من يعرف شروط العقد وأول من يتحمل نتائجه إذا لم يكن مربحًا للدولة.
وعندما تتحدث غرفة التجارة الأمريكية عن أكثر من 60 مليار دولار من الاتفاقات والشراكات ومذكرات التفاهم، يجب ألا يتعامل العراقي مع الرقم باعتباره إنجازًا مكتملًا. فمذكرة التفاهم ليست بالضرورة استثمارًا منفذًا، والاتفاق المعلن ليس بالضرورة أموالًا دخلت الخزينة، وقيمة المشروع لا تعني أن القيمة نفسها ستعود إلى العراق. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم تبلغ قيمة الاتفاقات؟ بل: كم سيبقى للعراقي بعد تنفيذها؟
وهناك سؤال أكثر إلحاحًا: إذا كانت العلاقة الجديدة بين بغداد وواشنطن تقوم على المصالح الاقتصادية، فلماذا لا تكون المصالح العراقية هي نقطة البداية؟ لماذا لا تفتح بغداد ملفًا رسميًا لتوثيق الخسائر التي ترتبت على الحرب، وتضع تقديرات واضحة للكلفة الإنسانية والاقتصادية، ثم تدخل أي مفاوضات اقتصادية من موقع دولة تعرف ما لها وما عليها؟
فإذا كانت واشنطن تحسب تكلفة جنودها وحروبها ومستقبل محاربيها القدامى، فمن حق العراقي أن يسأل: من يحسب تكلفة العراقيين ومن يعوضهم ؟
من يحسب تكلفة الطفل الذي نشأ وسط الحرب؟ من يحسب خسارة الأسرة التي فقدت معيلها؟ من يحسب كلفة انهيار البنية التحتية؟ من يحسب سنوات النزوح؟ ومن يحسب الفرص الاقتصادية التي ضاعت على جيل كامل؟
ما يحدث الآن يحتاج إلى شفافية لا إلى احتفالات. يحتاج العراقي إلى معرفة تفاصيل العقود، وقيمتها الحقيقية، ومددها، ونسب الأرباح، والالتزامات المالية، والضمانات، وحصة الدولة، وعدد الوظائف التي ستذهب إلى العراقيين، وما إذا كانت الاتفاقات قابلة للمراجعة، لأن النفط ليس هدية للحكومة، بل ملك للأجيال.
وفي النهاية، أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول العلاقة من الوجود العسكري إلى النفوذ الاقتصادي من دون أن يلاحظ أحد الفرق. قد تغادر القوات القواعد، لكن الشركات تدخل الحقول، والاستثمارات تدخل القطاعات الحيوية، وترتيبات المال والدولار تبقى جزءًا من النظام المالي الذي يتحرك من خلاله الاقتصاد العراقي.
إذا كانت هذه هي «الصفحة الجديدة» مع واشنطن، فلتكن صفحة جديدة فعلًا، لا صفحة جديدة فوق صفحات لم تُقرأ بعد.
ولا يجوز أن تتحول عقود النفط والاستثمارات والشراكات إلى مكافأة نهاية خدمة لدولة قادت حربًا ما زال العراق يدفع أثمانها البشرية والاقتصادية حتى اليوم.
فالذي فقد ابنه لا تعوضه مذكرة تفاهم، والذي فقد بيته لا تعوضه شراكة نفطية، والذي عاش عقدين من الاضطراب لا يمكن أن يُطلب منه أن يطوي ذاكرته لأن الشركات وقعت عقودًا جديدة، والسيادة ليست علما يرفع او بيانا يكتب وسط شعب انهكته أمريكيا وجلبت له كل مظاهر السوء والفقر والتبعية .