ظواهر صوتية
كتب / د. عمار طاهر محمد
منظر اشد قسوة من الظلم.. قرية نائية ليست معلومة، فهي مجهولة على الخرائط.. مدير ما يسمى مدرسةً، يتوسط جمعاً من الطلبة، ويلقي خطاب السيادة، فيما تُرى خلفهم جدران الصفوف، وكأنها حظائر حيوانات.. أرض جرداء بلا أسوار، وخرائب من طين، وصوت هادر يبشر الطلبة باسترداد الكرامة، وحقوق الوطن.. يحثهم على العلم، والعمل، والطموح، والأمل.. فيما يلوح الصغار بالأعلام العراقية، ويحملون لافتة عنوانها حقوق الطفل!
أي تراجيديا هذه.. مفعمةً بالكوميديا السوداء، يصل فيها الضحك إلى أقصى البكاء، اطلال غير صالحة للبشر بلا نوافذ.. موحشة وكأنها مقبرة.. وأطفال اشبهُ بالملائكة، يتشحون بالزي الموحد، ينشدون بصوت مبحوح حبا بالعراق.. مشهد يحمل كل معاني اللامعقول في أحشائه، يتجاوز المألوف، ويضمر في تجلياته معاناة بلد، يرزح بامتياز تحت سطوة المظاهر الصوتية المزيفة.
وعود وعهود، وضمائر هاجعة مثقلة بالنفاق، تسرق أحلام الفقراء، بكلمات فاقدة المحتوى، وعبارات منزوعة المضامين، أشبه بمكياجٍ لغويٍ، ومساحيقّ إعلامية، غير قادرة على تزويق الواقع الرديء.. رزية كبرى عندما نعجز عن بناء مدرسة، وجامعة، ومصنع، ومستشفى.. مأساة عظيمة عندما نعيش حالة الانفصام الوجودي.. ما بين ادعاءات الكرامة، وأن نحيا أشد درجات الامتهان.