الحجاب بميزانين.. حرية في طهران وعلمانية في باكو..!
كتب / عباس سرحان ||
حين خرجت نساء إيرانيات في خريف ٢٠٢٢ ينزعن حجابهن في الشوارع بعد وفاة الشابة مهسا أميني في عهدة شرطة الأخلاق، لم تتأخر العواصم الغربية عن نجدتهن، ففرضت واشنطن والاتحاد الأوروبي عقوبات على تلك الشرطة وقادتها، وعقد مجلس حقوق الإنسان جلسة خاصة شكّل فيها بعثة دولية لتقصي الحقائق، وتحوّل شعار “امرأة، حياة، حرية” إلى لافتة تُرفع في البرلمانات وعلى منصات الأمم المتحدة، وقيل للعالم يومها إن ما تضعه المرأة على رأسها شأن يخصها وحدها، لا يحق لدولة أن تفرضه عليها.
بعد أربع سنوات تقف طالبات أذربيجانيات على أبواب مدارسهن الحكومية ممنوعات من الدخول، لأن تعديلاً على لائحة الزي المدرسي أُقرّ في أيلول الماضي باسم “مبدأ العلمانية” فُسّر على أنه يشمل غطاء الرأس، فطُردت طالبات، وتحدثت تقارير عن استبعاد معلمات من عملهن لتمسكهن بالحجاب.
وافترشت فتيات الأرض أمام المدارس احتجاجا على منعهن من دخول مدارسهن، بينهن بنات عوائل أشخاص ارتقوا في حرب قره باغ دفاعاً عن البلد الذي يغلق اليوم أبواب مدارسه في وجوههن. وحين خرج الناس محتجين، أفادت التقارير باعتقال العشرات، وحُبس ناشطون إدارياً لأنهم انتقدوا إبعاد المحجبات عن صفوفهن، في بلد يكفل دستوره التعليم المجاني الإلزامي لكل أبنائه.
غير أن الحديث عن الحرية الشخصية الذي ملأ وسائل إعلام الغرب حين كان موضوعه عن طهران فقد صوته فجأة حين صار المطلوب حماية فتاة في اذربيجان تريد أن تُبقي حجابها على رأسها، فلم نسمع عقوبة ولا بياناً غاضباً ولا جلسة طارئة، ولم تتحول صورة طالبة تجلس على رصيف مدرستها إلى أيقونة تتصدر الصحف كما تصدرتها صور الإيرانيات.
فالحرية لا تُقاس بنتيجة الاختيار، بل بحق الإنسان في اتخاذه، ومن يدافع عن المرأة حين تختار ما يرضيه، ويصمت حين تختار ما لا يرضيه، لا يدافع عن الحرية بل عن ذوقه السياسي.
ليس في هذا الصمت سرّ كبير، فأذربيجان شريك يمدّ أوروبا بالغاز منذ أن وقّعت معها بروكسل عام ٢٠٢٢ اتفاقاً لمضاعفة إمداداتها، بحثاً عن بديل للغاز الروسي، وهي فوق ذلك جار مزعج لإيران، وبوابة يُراد لها أن تبقى مفتوحة على القوقاز وآسيا الوسطى. أما إيران فخصم، وكل ما يُحرجها حرية تستحق الاحتفاء، وكل ما يُحرج الحلفاء شأن داخلي لا يجوز التدخل فيه.
بل إن الغرب لا يحتاج إلى السفر إلى باكو ليرى ازدواجيته، فقد منعت فرنسا الحجاب في مدارسها منذ عام ٢٠٠٤، ثم ألحقت به العباءة عام ٢٠٢٣، وأجازت محكمة العدل الأوروبية لأرباب العمل أن يمنعوا موظفاتهم من ارتدائه. فالحرية في هذا المنطق تسير في اتجاه واحد، تُكفل للمرأة إذا خلعت حجابها، وتُصادر منها إذا تمسكت به، ويُسمّى الإكراه قمعاً في طهران، وعلمانيةً في باريس وباكو.
ليست المسألة هنا أن تتحجب المرأة أو تسفر، فمن الإنصاف أن االمبدأ الذي يرفض الإكراه في طهران يرفضه في باكو وباريس، والفتاة التي تُجبَر على تغطية شعرها لا تختلف في مظلوميتها عن الفتاة التي تُطرد من صفها لأنها غطّته.
لكن من يرفع لواء حقوق الإنسان مطالَب بأن يحمله بيد ثابتة، لا أن يرفعه حين يخدم مصالحه ويطويه حين تكون الضحية فتاة محجبة في بلد يبيعه الغاز.
إن المعيار الحقيقي لحقوق الإنسان لا يُختبر حين ندافع عمّن نتفق معه، بل حين ندافع عن حق من يختار طريقاً غير طريقنا، وإن خالفنا فيه. أما الحقوق التي تتبدل بتبدل المصالح والتحالفات والخرائط، فتفقد صفتها الأخلاقية وتتحول إلى أوراق تفاوض، وعندئذ لا يعود الحديث عن الحرية حديثاً عن مبدأ ثابت، بل عن ميزانين مختلفين، أحدهما في طهران، والآخر في باكو.