المصحف لا يحرس الخزينة..!
كتب / رياض الفرطوسي ||
رأينا في هذه الأيام مشهداً مألوفاً: وزراء يرفعون أيديهم ويقسمون على القرآن أمام الناس: أن يحفظوا المال العام ويصونوه، وألّا يستغلوا المنصب لمنفعة شخصية أو حزبية. كان المشهد مهيباً، والكاميرات في أماكنها، والكلمات في مواضعها. ثم انتهت الجلسة وذهب كل واحد إلى مكتبه.
لا أكتب عن أشخاص. أكتب عن طقس نكرره منذ زمن طويل ولا نسأل عن جدواه: ماذا نتوقع من القسم أصلاً؟
القرآن الذي وُضعت عليه الأيدي ينهى عن السرقة والكذب والحنث منذ أكثر من أربعة عشر قرناً. ظل هذا النهي حاضراً في البيوت والمنابر والمدارس، ومع ذلك لم يصنع إيماناً مانعاً من الخيانة. فإذا عجزت القرون عن ذلك، فكيف تنجح فيه ربع ساعة أمام الشاشات؟ نحن نطلب من اللحظة الواحدة ما لم يحققه الزمن الطويل، ونسمي ذلك ثقة.
والسبب نفسي قبل أن يكون ديني. وصف عالم النفس ألبرت باندورا (عالم نفس كندي أمريكي، صاحب نظرية التعلم الاجتماعي) ما سماه (الانفصال الأخلاقي): الإنسان لا يخرق قيمه وهو ينظر إليها، بل يبعد الضوء عنها أولاً. يغيّر اسم الفعل، فتصير الرشوة (حقاً من الحقوق)، والمحاباة (واجباً تجاه الأهل)، والنهب (تعويضاً عن سنوات الحرمان). فإذا تغيّر الاسم ارتاح الضمير وبقي القسم سليماً على الورق. لهذا لا توجد جريمة بلا تبرير، والمبرر يكون جاهزاً قبل أن تقع الجريمة.
ويضيف الباحث دان أريلي (أستاذ علم النفس والاقتصاد السلوكي في جامعة ديوك الأمريكية) ملاحظة بسيطة ومزعجة: أغلب الناس يغشّون قليلاً ويحتفظون بصورتهم عن أنفسهم كاملة. يكفي أن يُذكَّروا بقاعدة أخلاقية قبل الامتحان ليقلّ الغش، لكن التذكير ينفع حين يتكرر ويرافقه من يراقب، ولا ينفع حين يكون حفلاً يُقام مرة واحدة. القسم الذي لا يعقبه حساب تذكير بلا أثر.
وفي هذا خلل تربوي لا نحب الاقتراب منه. نحن نربّي أولادنا على أن الأخلاق شيء يُحلَف به، فيكبرون وهم يظنون أن اليمين تغني عن الضمانة. في المحلة التي نشأنا فيها كان الرجل يُصدَّق إذا حلف، ويُسمّى أميناً لأنه حلف. تحوّل الشرف من سلوك يُمارَس كل يوم إلى كلمة تُقال عند الحاجة. ثم نقلنا هذا الميزان من المضيف إلى الدولة ولم ننتبه إلى الفرق. المضيف يجمع من يعرفون بعضهم ويخشون العار أمام بعضهم. أما الدولة فمؤسسات وأوراق وأرقام وتوقيعات يمرّ بها المال دون أن يراه أحد، ولا يحرسها الحياء وحده، بل يحرسها قانون يُطبَّق على الجميع.
قال جيمس ماديسون (أحد واضعي الدستور الأمريكي) جملته المعروفة: لو كان البشر ملائكة لما احتجنا إلى حكومة. وأضيف: ولو كانوا ملائكة لما احتجنا إلى قسم. القسم اعتراف ضمني بأن الإنسان قد يخون، وهو لا يزيل هذا الاحتمال. الذي يزيله هو الرقابة والقضاء المستقل وإعلان الذمة المالية وإمكانية العزل، أي كل ما يجعل الخيانة مكلفة. اليمين المفيد هو الذي يتبعه ثمن، والذي لا ثمن له يبقى جملة جميلة.
وتُروى عن ديوجين (فيلسوف يوناني عاش في القرن الرابع قبل الميلاد، اشتهر بالتقشف وسخريته من أهل زمانه) حكاية أنه خرج في وضح النهار يحمل مصباحاً مضاءً في شوارع أثينا، وحين سألوه قال: أبحث عن إنسان. لم يكن يبحث عن قديس، كان يقول إن الاستقامة نادرة وإن من يعوّل عليها وحدها كمن يبحث عن إبرة في بحر. وهذا ما نفعله نحن حين ننتظر من كل مسؤول أن يكون ملاكاً، لأننا لم نبنِ نظاماً يجعل غير الملاك مضطراً إلى الاستقامة. فنبقى ننتظر «الشريف» كما تنتظر الأسرة المعجزة، ونهمل الجدار الذي يُبنى بالحجر.
والشرف الذي نردده في خطاباتنا مفهوم ورثناه ولم نفحصه. هو في أحسن أحواله شعور داخلي يختلف تأويله من طبقة إلى طبقة ومن جماعة إلى جماعة، فما يراه هذا وفاءً يراه ذاك خيانة، وما يعدّه فريق ولاءً يعدّه آخر فساداً. والسلطة تجمع مصالح متناقضة لا يوحّدها إحساس مشترك بالشرف، يوحّدها قانون يضبط الجميع بالمسطرة نفسها. ولذلك لا أرى فائدة في أن نسأل: هل السلطة شريفة أم غير شريفة؟ السؤال الأجدى: هل يستطيع الناس أن يراقبوها ويحاسبوها، وهل تملك المؤسسات القدرة على الرقابة والمساءلة وفق القانون؟
وأخشى ما أخشاه أن يصبح القسم مرآة نرى فيها ما نريد، فنظن أن الأمر قد حُسم لمجرد أنه قيل. وحين ننشغل بنبرة الصوت وهيبة الكتاب تفوتنا الأسئلة التي تعنينا فعلاً: من يراقب؟ ومن يحاسب؟ وكم يستغرق السؤال حتى يصل إلى جواب؟ هذه الأسئلة هي القسم الحقيقي، وهي التي لا تُرفع بالأيدي.
شعب يريد حكماً نزيهاً ويكتفي بالمراسم يشبه من يطلب مطراً ولا يحفر قناة. والشرف الذي ننتظره من الأعلى لا ينزل، لأنه يُصنع من تحت: في مدرسة تعلّم أن الأمانة سلوك، وفي قانون يسري على القوي قبل الضعيف، وفي رأي عام لا يصفّق لمن حلف، بل يسأله بعد القسم: ماذا فعلت بما أقسمت عليه؟