edition
Almaalouma
  • أخبار
  • مقالات
  • إنفوجرافيك
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  • الذكاء الاصطناعي
  1. Home
  2. مقالات
  3. الثمالة الرقمية: حين تصبح عقولنا سلعة في سوق المنصات..!
الثمالة الرقمية: حين تصبح عقولنا سلعة في سوق المنصات..!
مقالات

الثمالة الرقمية: حين تصبح عقولنا سلعة في سوق المنصات..!

  • Today 14:23

كتب / حمد فيصل العسكري
 
لم يعد الاستعمار في عصرنا هذا بحاجة إلى أن يعبر البحار بجيوشه، أو أن ينصب راياته فوق المدن؛ وإن ظلت القوة العسكرية حاضرةً بأساطيلها المنتشرة وقواعدها الممتدة في مناطق العالم الاستراتيجية لدعم النفوذ. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل تجاوزته القوى الكبرى لتفرض سيطرتها عبر النظام المالي الدولي، متحكمةً في حركة رؤوس الأموال وأسواق العملات والتجارة العالمية. ولكن خطورة الهيمنة الحديثة لا تتوقف عند حدود الاقتصاد والمال، بل تذهب أبعد من ذلك؛ إذ أخذت تتقدم نحو مجال أكثر عمقاً وأشد اتصالاً بحياة الإنسان، وهو مجال الوعي والانتباه وتشكيل الرغبات.
ففي الوقت الذي تتنافس فيه الدول على النفوذ الجيوسياسي، تتنافس شركات التكنولوجيا العملاقة على استقطاب عقول مليارات البشر، وجمع بياناتهم، وتحليل سلوكهم، وتحويل انتباههم إلى مورد اقتصادي تتدفق منه أرباح هائلة.
وإذا كانت أدوات القوة التقليدية تسعى إلى التأثير في قرارات الدول ومصائر الشعوب، فإن المنصات الرقمية تمتلك أدوات مختلفة للتأثير في اختيارات الأفراد وتصوراتهم، لا عن طريق احتلال الأرض، بل من خلال الحضور الدائم في تفاصيل الحياة اليومية، حتى بات من الضروري أن نسأل: هل دخل العالم مرحلة جديدة من هيمنة لا يكون ميدانها الأهم ما نملكه من أرض وثروات فحسب، بل ما نملكه من وعي وقدرة على التفكير والاختيار؟
إن السؤال لا ينطلق من افتراض وجود مؤامرة واحدة تدير العالم، ولا من إنكار ما أتاحته التكنولوجيا من فرص هائلة للتواصل والمعرفة، بل من ملاحظة تحول اقتصادي وإعلامي عميق، أصبحت فيه حياة الإنسان الرقمية مصدراً للقيمة التجارية، وأصبح انتباهه موضع تنافس بين مؤسسات تدرك أن الوقت الذي يقضيه أمام الشاشة ليس مجرد وقت عابر، بل فرصة للإعلان وجمع البيانات وتعزيز الأرباح.
لقد دخلت منصات التواصل الاجتماعي حياة البشر بوعود جذابة، واختصار المسافات، وتسهيل التواصل، وإتاحة المعرفة، ومنح الأفراد مساحة للتعبير عن آرائهم ومواهبهم، وقد حققت بالفعل جوانب مهمة من هذه الوعود، حتى أصبحت جزءاً أساسياً من الحياة اليومية، إذ لا يستطيع كثيرون الاستغناء عنها في العمل والتعليم والعلاقات الاجتماعية.
لكن خلف هذه الوظائف التي يعرفها المستخدم، تعمل نماذج تجارية تتنافس على جذب انتباهه والمحافظة على وجوده داخل المنصة، فكلما طال الوقت الذي يقضيه المستخدم في التصفح، ازدادت فرص عرض الإعلانات عليه، واتسعت إمكانية جمع مؤشرات جديدة عن اهتماماته وسلوكه، وتوافرت للمنصة بيانات تساعدها على تحسين خدماتها الإعلانية وأنظمة توصية المحتوى، وهنا تكمن المفارقة، فالمستخدم الذي يدخل إلى المنصة بحثاً عن خبر أو تواصل مع صديق، قد يجد نفسه بعد وقت طويل ينتقل بين مقاطع وصور وتعليقات لا صلة مباشرة لها بالغرض الذي جاء من أجله، وما إن ينتهي محتوى حتى يظهر آخر، وما إن يقرر المغادرة حتى يستوقفه إشعار أو عنوان أو مقطع جديد.
إن ما يبدو تجربة مجانية للمستخدم قد يمثل مورداً اقتصادياً بالغ القيمة للشركة، فالمنصة لا تحتاج إلى أن تبيع له سلعة في كل مرة، بل تستطيع تحقيق إيرادات من الإعلانات والخدمات التجارية التي تقوم على الوصول إلى الجمهور، ومن هنا أصبح الانتباه نفسه جزءاً من المعادلة الاقتصادية، وأصبح الوقت الذي يمنحه الإنسان للشاشة عنصراً تتنافس المؤسسات الرقمية على استقطابه، ولا يعني ذلك أن كل منصة تسعى إلى إدمان مستخدميها، أو أن كل دقيقة يقضيها الإنسان أمام الشاشة تتحول مباشرة إلى ربح، لكن ارتباط جانب مهم من نماذج الأعمال الرقمية بالإعلانات والتفاعل يجعل السؤال عن تصميم هذه المنصات وأولوياتها سؤالاً مشروعاً، خصوصاً عندما تتعارض مصلحة الشركة في زيادة الاستخدام مع مصلحة الإنسان في إدارة وقته وحماية تركيزه.
الثمالة الرقمية: سكر لا يحتاج إلى كأس
من هنا تبرز دلالة مصطلح «الثمالة الرقمية»، بوصفه استعارة لحالة من الاستهلاك المتواصل للمحتوى، يتنقل فيها الإنسان من صورة إلى مقطع، ومن خبر إلى تعليق، ومن جدل إلى آخر، حتى يفقد الإحساس بمرور الوقت، ويجد صعوبة في التوقف رغم أنه لم يعد يحصل على فائدة تتناسب مع الوقت الذي ينفقه.
إنها ثمالة لا تأتي من مادة تُشرب، بل من تدفق متلاحق للمحفزات، لا يُغيّب الوعي بالضرورة، لكنه قد يشتت الانتباه ويستنزف الطاقة الذهنية ويجعل التأمل الهادئ أقل حضوراً في حياة بعض المستخدمين، فالإنسان الذي اعتاد الانتقال السريع بين عشرات الموضوعات قد يجد صعوبة في منح موضوع واحد الوقت الكافي لفهمه، وقد يخلط بين كثرة المعلومات وعمق المعرفة، وبين سرعة التفاعل والقدرة على التفكير.
ليس المقصود أن الاستخدام الرقمي يؤدي بالضرورة إلى ضعف التركيز لدى الجميع، أو أن المحتوى القصير يفتقر دائماً إلى القيمة، بل إن المشكلة تكمن في الإفراط وفي غياب القدرة على إدارة الاستخدام، فالمعرفة تحتاج إلى وقت للتأمل والربط والتحقق، بينما قد يدفع التصفح المتواصل إلى الانتقال من فكرة إلى أخرى قبل أن تستقر الأولى في الذهن.
ولعل المفارقة أن الإنسان يستطيع أن يقضي ساعة كاملة في متابعة المحتوى، ثم يعجز عن تذكر ما الذي أفاده فعلياً من تلك الساعة، لقد استهلك كثيراً من المواد، لكنه لم يبن بالضرورة معرفة متماسكة، وانتقل بين موضوعات متعددة، لكنه لم يمنح أياً منها فرصة كافية للفهم، وهكذا يصبح التصفح غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق غاية.
إن أخطر ما في هذه الحالة ليس ضياع الوقت وحده، بل احتمال أن تتغير علاقتنا بالمعلومة، فنعتاد سرعة الوصول أكثر من صبر الفهم، وكثرة المشاهدة أكثر من دقة الملاحظة، والاستجابة الفورية أكثر من الحكم المتأني، وحين تصبح الإثارة شرطاً لجذب الانتباه، قد تتراجع قدرة المحتوى الهادئ والعميق على منافسة الرسائل السريعة التي تستثير الفضول والانفعال، والسؤال الذي يتبادر في الذهن.. هل تبيع الشركات أفكارنا؟
حين نتحدث عن بيع الأفكار، فإننا لا نعني بالضرورة أن الشركات تبيع أفكار المستخدمين الشخصية كما تُباع السلع في الأسواق، بل إن المسألة أكثر تعقيداً، فهذه المنصات تجمع، وفق طبيعة خدماتها وسياساتها، بيانات وإشارات تتعلق بالاستخدام، مثل الموضوعات التي يتابعها الإنسان، والإعلانات التي يتفاعل معها، والمقاطع التي يشاهدها، والمحتوى الذي يتوقف عنده، ويمكن تحليل هذه المؤشرات لاستنتاج اهتمامات محتملة تساعد على توجيه الإعلانات والتوصيات.
وبهذا المعنى، فإن ما يُباع تجارياً في كثير من الحالات ليس الفكرة ذاتها، بل فرصة الوصول إلى صاحبها والتأثير في اختياراته، فالمعلن الذي يريد تسويق سيارة فاخرة لا يحتاج إلى مخاطبة الجميع بالرسالة نفسها، كما أن الشركة التي تبيع خدمات تعليمية تبحث عن جمهور تختلف اهتماماته عن جمهور شركة سياحية أو متجر إلكتروني، وتتيح أدوات الإعلان الرقمي استهداف فئات محددة من المستخدمين، وفق معايير وبيانات متاحة، مع قياس مدى استجابتهم للرسائل المعروضة.
وهنا تتحول المعرفة بالسلوك إلى ميزة تجارية، لأن الشركة التي تستطيع تحديد الجمهور الأكثر احتمالاً للاهتمام بمنتج معين تكون في موقع أفضل لتسويق خدماتها الإعلانية، ولا يعني ذلك أن جميع المنصات تبيع البيانات الشخصية مباشرة إلى المعلنين، فالكثير من النماذج يقوم على بيع المساحات الإعلانية وإتاحة الاستهداف من داخل أنظمة المنصة، من دون تسليم المعلن البيانات الخام للمستخدمين.
لكن السؤال الأعمق يبقى قائماً: ماذا يحدث عندما لا تكتفي المنصة بعرض ما نبحث عنه، بل تستطيع أيضاً اقتراح ما قد يجذبنا، وتكرار ما يثير اهتمامنا، وتقديم الرسائل في سياقات تزيد احتمالات استجابتنا؟
إن الإنسان لا يعيش في فراغ، ورغباته تتشكل من تجاربه وثقافته وعلاقاته وظروفه الاقتصادية والاجتماعية، غير أن البيئة الرقمية أصبحت عاملاً إضافياً في تشكيل بعض هذه الرغبات، من خلال التكرار والتخصيص والمقارنة المستمرة، وقد يجد المرء نفسه راغباً في اقتناء شيء لم يكن يفكر فيه، أو شاعراً بالنقص تجاه مظهره أو مستوى حياته، بعدما تعرض لرسائل متتابعة تربط السعادة والنجاح والمكانة الاجتماعية بالاستهلاك.
وهكذا لا تحتاج المنصة إلى أن تفرض على الإنسان قراراً محدداً، بل يكفيها أن تسهم في تشكيل البيئة التي تتكون فيها رغباته، وأن تمنح بعض الخيارات حضوراً متكرراً، حتى يصبح تأثيرها جزءاً من عملية الاختيار نفسها.. اذا كيف تعمل الخوارزميات على صناعة دوائر الاهتمام؟
الخوارزمية لا تقرأ الأفكار، لكنها تستطيع تحليل السلوك الظاهر واستنتاج أنماط محتملة منه، فإذا اعتاد المستخدم متابعة موضوع معين، فقد تقترح عليه المنصة مزيداً من المحتوى المشابه، وإذا تفاعل مع مواد مثيرة للجدل، فقد يجد نفسه أمام موضوعات أخرى تستثير اهتمامه، بحسب طريقة عمل نظام التوصية.
وتكمن فائدة هذه الآليات في أنها تساعد المستخدم على اكتشاف محتوى يناسب اهتماماته وسط كميات هائلة من المنشورات، لكنها قد تصبح إشكالية عندما تؤدي إلى تضييق نطاق ما يتعرض له من أفكار، أو تجعل المحتوى المثير للانفعال أكثر حضوراً من المحتوى الذي يحتاج إلى التأمل والتحقق.
فحين يرى الإنسان باستمرار ما يوافق رأيه، قد يتوهم أن موقفه يحظى بإجماع واسع، وحين تتكرر أمامه رواية واحدة لحدث معين، قد يظن أنها الصورة الكاملة، بينما تغيب عنه روايات أخرى أو أدلة تخالف ما اعتاد مشاهدته، وبمرور الوقت، قد تتشكل دوائر من الاهتمام يصعب الخروج منها، لا لأن الإنسان فقد قدرته على التفكير، بل لأن البيئة المحيطة به أصبحت تقدم له بعض الأفكار بوتيرة أكبر من غيرها.
ولا ينبغي تحميل الخوارزميات وحدها مسؤولية الاستقطاب والتضليل، فالمستخدمون والناشرون والمؤسسات الإعلامية والسياسية جميعهم يؤثرون في حركة المعلومات، لكن امتلاك المنصات قدرة واسعة على ترتيب المحتوى وتحديد فرص ظهوره يجعلها طرفاً مهماً في تشكيل المجال العام، ويضع عليها مسؤولية تتناسب مع حجم تأثيرها.
إن المشكلة ليست في أن تعرض لنا المنصة محتوى يعجبنا، بل في أن ننسى أن ما نراه ليس بالضرورة صورة كاملة للعالم، وأن شيوع الفكرة على الشاشة لا يجعلها صحيحة، وأن كثرة التفاعل معها لا تمنحها قيمة معرفية تلقائياً.
تكتسب المشاعر أهمية خاصة في اقتصاد الانتباه، لأن الغضب والخوف والدهشة والسخرية قد تدفع الإنسان إلى التعليق والمشاركة وإعادة النشر، وقد تسهم هذه التفاعلات في زيادة انتشار المحتوى، بحسب آليات المنصة، حتى لو لم يكن المحتوى مهماً من الناحية المعرفية أو الاجتماعية.
ولهذا قد ينتشر مقطع صادم أو عنوان مستفز بسرعة كبيرة، بينما لا تحظى دراسة علمية رصينة أو مناقشة اقتصادية عميقة بالاهتمام نفسه، وليس معنى ذلك أن كل محتوى مثير مضلل، أو أن المحتوى الهادئ أكثر صدقاً بالضرورة، بل إن الانفعال قد يمنح بعض المواد ميزة في جذب الانتباه، ويجعلها أكثر قدرة على الانتشار.
وتظهر الخطورة عندما يستغل بعض الناشرين هذه الآلية في تضخيم الخلافات أو اجتزاء التصريحات أو نشر معلومات غير دقيقة، فالمستخدم قد يعيد نشر مادة كي ينتقدها، لكنه يمنحها في الوقت نفسه فرصة للوصول إلى جمهور أوسع، وقد يتحول الاعتراض عليها إلى جزء من انتشارها.
وهكذا يصبح الغضب أحياناً مورداً قابلاً للاستثمار، ويتحول الخلاف من نقاش حول الأفكار إلى صراع حول الأشخاص والانتماءات، بينما تتراجع المساحة المتاحة للحوار الهادئ والتحقق من الوقائع.
إن المجتمع الذي يعتاد الاستجابة الفورية لكل ما يستفزه يصبح أكثر عرضة لأن ينشغل بما يثير انفعاله، لا بما يستحق اهتمامه، ومن هنا فإن الوعي الرقمي لا يعني فقط معرفة كيفية استخدام المنصات، بل معرفة متى ينبغي ألا نتفاعل، ومتى يكون تجاهل المحتوى المضلل أكثر فائدة من منحه مزيداً من الانتشار.
من الثمالة الفردية إلى تشكيل الوعي الجمعي
لا تتوقف آثار المنصات عند الفرد، لأن المحتوى الذي يتعرض له ملايين المستخدمين قد يسهم في تحديد الموضوعات التي تشغل المجتمع، والصور التي تتكون عن الآخرين، والطريقة التي تُفهم بها الأحداث العامة، فالموضوع الأكثر تداولاً ليس بالضرورة هو الموضوع الأكثر أهمية، والمادة الأكثر مشاهدة ليست بالضرورة الأكثر صدقاً أو فائدة.
وفي المجتمع العراقي، تتيح وسائل التواصل فرصاً واسعة للتعبير وتوثيق الأحداث وتبادل المعرفة وإبراز المبادرات الإنسانية والثقافية، كما تساعد المواطنين على متابعة الشأن العام وإيصال أصواتهم إلى جمهور كبير، غير أن البيئة نفسها قد تصبح مجالاً للشائعات والمعلومات المضللة وتضخيم الانقسامات، خصوصاً عندما يتقدم السباق على المشاهدات عن التحقق من الوقائع.
وقد يؤدي التكرار إلى ترسيخ صور نمطية عن جماعة أو منطقة أو فئة اجتماعية، أو تحويل الاختلاف في الرأي إلى خصومة شخصية، فيصبح المستخدم محاطاً برسائل تدفعه إلى الانفعال بدلاً من الفهم، وعندها لا تكون المشكلة تقنية فقط، بل تتعلق بضعف التربية الإعلامية، وتراجع التحقق، وطبيعة الخطاب العام، وقدرة المجتمع على التمييز بين الرأي والمعلومة والدعاية.
ومع ذلك، فإن المجتمع العراقي لا يبدأ من فراغ، فهو يمتلك رصيداً اجتماعياً وثقافياً قائماً على التواصل المباشر، والمجالس، والحوار، والعلاقات الأسرية والمجتمعية، ويمكن لهذا الرصيد أن يشكل عامل توازن حين تُستخدم التكنولوجيا لتوسيع المعرفة والتواصل، لا لاستبدال العلاقات الإنسانية أو اختزال الناس في منشورات ومواقف عابرة.
إن التحدي لا يتمثل في رفض المنصات، بل في منعها من أن تصبح المصدر الوحيد لتفسير العالم، وفي الحفاظ على قدرة الإنسان على الاستماع إلى الرأي المختلف، والتحقق من الأخبار، والعودة إلى المصادر الموثوقة، وعدم اتخاذ عدد الإعجابات معياراً للحقيقة أو لمكانة الأشخاص.
لقد أنفقت شركات التكنولوجيا العملاقة مليارات الدولارات على تطوير البنية التحتية الرقمية والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات واستقطاب الكفاءات وتحسين الخدمات، وهذه الاستثمارات لا تفسرها التكنولوجيا وحدها، بل تفسرها أيضاً القيمة الاقتصادية لامتلاك منصات تصل إلى جماهير هائلة، وتتيح للمعلنين الوصول إلى فئات محددة، وتحوّل التفاعل إلى فرص تجارية متكررة.
لكن ينبغي أن نميز بين امتلاك فرصة التأثير وامتلاك القدرة المطلقة على التحكم، فالمستخدم ليس كائناً بلا إرادة، ولا تستطيع الخوارزميات أن تضمن نتائج قراراته، إنما تكمن قوة المنصات في قدرتها على ترتيب البيئة التي تظهر فيها الخيارات، وتكرار الرسائل، وتخصيص المحتوى، وقياس الاستجابة، ثم تعديل التجربة وفق النتائج.
ولهذا فإن الحديث عن الثمالة الرقمية لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام شامل للتكنولوجيا أو إلى تصوير الإنسان بوصفه ضحية عاجزة، بل إلى مساءلة العلاقة بين المصالح التجارية وحقوق المستخدمين. فالشركات تسعى إلى النمو وتحقيق الأرباح، وهذا جزء من طبيعة السوق، لكن ذلك لا يعفيها من مسؤولية الشفافية وحماية الخصوصية ومراعاة الفئات الأكثر عرضة للضرر، كما أن مسؤولية المستخدم لا تنتهي عند الضغط على زر الموافقة، خصوصاً حين تكون شروط الاستخدام معقدة، أو تصبح بعض الخدمات جزءاً أساسياً من الحياة الاجتماعية والمهنية، لذلك تحتاج العلاقة الرقمية إلى قواعد أكثر وضوحاً، وخيارات فعلية للتحكم في البيانات والإعلانات، وتوعية تساعد الأفراد على فهم طبيعة الخدمات التي يستخدمونها.
إن الحل لا يكمن في مغادرة العالم الرقمي، ولا في العودة إلى زمن لم يعد قائماً، بل في إعادة ترتيب العلاقة بالتكنولوجيا، بحيث تبقى وسيلة تخدم الإنسان ولا تتحول إلى غاية تستنزف وقته، ويبدأ ذلك من الوعي بأن كل إشعار لا يستحق الاستجابة، وأن كل مقطع لا يستحق المشاهدة، وأن كثرة المعلومات لا تعني بالضرورة زيادة المعرفة، ومن المفيد أن يحدد المستخدم غرضه قبل فتح المنصة، وأن يراجع الوقت الذي يقضيه فيها، ويوقف الإشعارات غير الضرورية، وينوع مصادر معلوماته، ويمنح القراءة المتأنية والحوار المباشر والراحة والنوم ما تستحقه من اهتمام، كما أن مراجعة إعدادات الخصوصية وأذونات التطبيقات، والتحقق من الأخبار قبل مشاركتها، والتمييز بين الإعلان والمحتوى التحريري، كلها خطوات تساعد على بناء علاقة أكثر وعياً بالتكنولوجيا.
أما المؤسسات التعليمية والإعلامية والتشريعية، فعليها أن تتعامل مع التربية الرقمية بوصفها جزءاً من بناء المواطن المعاصر، فالمطلوب ليس تعليم الأفراد كيفية استخدام الأجهزة فحسب، بل مساعدتهم على فهم نماذج الأعمال الرقمية، وحقوق الخصوصية، وآليات الإعلان الموجه، وطرق التحقق من المعلومات، ومخاطر التلاعب بالمحتوى.
وبالنسبة للعراق، فإن تعزيز السيادة الرقمية يتطلب أكثر من حماية المستخدم الفردي، فهو يحتاج إلى تطوير التعليم والبحث العلمي والكفاءات التقنية، وبناء القدرات المحلية، وتحديث التشريعات التي تحمي البيانات والحقوق، وتشجيع الابتكار والإنتاج المعرفي، فالسيادة الرقمية لا تعني الانغلاق عن العالم، بل امتلاك القدرة على التعامل معه من موقع المعرفة والكفاءة، لا الاكتفاء باستهلاك ما ينتجه الآخرون.
لقد منح العصر الرقمي الإنسان نافذة واسعة على العالم، لكنه وضع خلف هذه النافذة منظومة اقتصادية تدرك أن بقاءه أمامها يحمل قيمة تجارية، وبين المنفعة والاستغلال تتحدد طبيعة العلاقة بين المستخدم والمنصة، وفق تصميم الخدمات، وقواعد السوق، ومستوى الوعي، وقدرة المؤسسات على حماية الحقوق، فالثمالة الرقمية ليست مجرد حكاية عن إنسان يفرط في استخدام هاتفه، بل هي سؤال عن اقتصاد يتنافس على انتباه البشر، ويستفيد من البيانات الناتجة عن سلوكهم، ويملك أدوات متقدمة لتخصيص الرسائل والتنبؤ بالاستجابات المحتملة، وهي، في الوقت نفسه، دعوة إلى ألا نحمّل التكنولوجيا أكثر مما تحتمل، وألا نغفل عن المصالح التجارية التي تشكل جانباً من بنيتها، فإذا كانت القوة التقليدية قد سعت إلى توسيع النفوذ عبر الأرض والبحر والمال، فإن الاقتصاد الرقمي أضاف مجالاً جديداً للمنافسة، هو البيانات والاهتمام والقدرة على الوصول إلى الجمهور والتأثير في اختياراته، لكن هذا المجال ليس قدراً محتوماً، ولا يعني أن الإنسان فقد حريته، بل يضع أمامه مسؤولية جديدة تتمثل في فهم البيئة التي يتخذ قراراته داخلها، وأمام المؤسسات مسؤولية ضمان ألا تتحول المصالح التجارية إلى مبرر للتعدي على حقوقه.
إن الحرية لا تعني أن تتوافر أمامنا خيارات لا حصر لها فحسب، بل أن نمتلك القدرة على فهمها وتقييمها واختيار ما يخدم مصالحنا وقيمنا، والعقل الحر لا يكتفي بتلقي الرسائل، بل يسأل عن مصدرها وغايتها، ولا يجعل من الرواج دليلاً على الحقيقة، ولا من التكرار برهاناً على الصواب، وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا كلما فتحنا شاشة الهاتف ليس كم ساعة سنقضي أمامها، بل لماذا دخلنا إليها، وماذا نريد أن نحقق، وهل ما نتابعه يخدم غايتنا أم أننا انجرفنا إلى مسار اختارته لنا المنصة؟
فليست المشكلة أن يكون العالم كله في متناول أيدينا، بل أن نفقد، وسط هذا التدفق الهائل، قدرتنا على التمييز بين ما يستحق اهتمامنا وما يستنزفه، وبين الرغبة التي نختارها والرسالة التي تسهم في صناعتها، وبين التكنولوجيا التي توسع حريتنا والتكنولوجيا التي قد تستثمر في ضعف انتباهنا، وإن أخطر أشكال الثمالة الرقمية ليس أن نغيب عن العالم ونحن ننظر إلى الشاشة، بل أن نظل حاضرين أمامها، بينما تتراجع قدرتنا على اختيار ما يستحق أن يشغل عقولنا وحياتنا.

الأكثر متابعة

All
الدليمي: الزيدي ارتكب خطأ باستحداث نواب رئيس الوزراء

الدليمي: الزيدي ارتكب خطأ باستحداث نواب رئيس الوزراء

  • سياسة
  • 17 Oct
الحبوبي: فرض نواب رئيس الوزراء الأربعة يعكسون خضوع الزيدي للمحاصصة

الحبوبي: فرض "نواب رئيس الوزراء الأربعة" دليل على...

  • سياسة
  • 18 Oct
أبو ريشة يغمز الحلبوسي: هناك من نال استحقاقه خلف القضبان وآخر عجز رغم نفوذه

أبو ريشة يغمز الحلبوسي: هناك من نال استحقاقه خلف...

  • سياسة
  • 16 Oct
نائب: قانون الحشد الشعبي لا يزال لدى الحكومة ولم يُرسل إلى البرلمان

نائب: قانون الحشد الشعبي لا يزال لدى الحكومة ولم...

  • سياسة
  • 21 Oct
ترامب ونتنياهو مرضى يعانيان من اضطرابات نفسية
مقالات

ترامب ونتنياهو مرضى يعانيان من اضطرابات نفسية

المحلل السياسي بين المهنية والانتماء الحزبي
مقالات

المحلل السياسي بين المهنية والانتماء الحزبي

شتاء أوروبا السياسي: ما بعد احتجاجات أكتوبر..!
مقالات

شتاء أوروبا السياسي: ما بعد احتجاجات أكتوبر..!

صندوقُ النقدِ الدولي وفخُّ الإقراضِ الجديدِ للعراق
مقالات

صندوقُ النقدِ الدولي وفخُّ الإقراضِ الجديدِ للعراق

Almaalouma

المعلومة: وكالة اخبارية عامة مستقلة، تتميز بالجرأة والموضوعية والمهنية والتوازن،شعارها، خبر ﻻ يحتاج توثيقا، لدقة وتنوع مصادرها الخاصة وانتشار شبكة مراسليها

الأقسام

  • أخبار
  • مقالات وكتاب
  • فيديوهات
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  • منوعات
  • انفوكرافيك

روابط مهمة

  • سياسة الخصوصية
  • من نحن
  • اتصل بنا

تابعونا