دكتاتوريَّة -الجوينات-!
كتب / سعد تركي
في كلِّ صباح، مع ذهابك إلى العمل.. بعد الظهيرة في إيابك منه.. مساءً وليلًا حين تتوجَّه إلى شأنٍ من شؤونك، لا بدَّ أنْ يُفرض عليك مشهد جميل ساحر وأخّاذ: عشرات ـ ربما مئات ـ من العجلات بموديلات وأنواع مختلفة تقف قبل أيِّ مجسّر بمسافة طويلة.. لا تتوهَّم يا عزيزي، فليس التوقف التزامًا بقواعد مرور يندر أنْ يحترمها أحد، بل استعدادٌ لخوض “معركة عبور”.. تشهد سائقي المركبات يناورون يمينًا فيسارًا.. يتقافزون كأنهم يؤدون رقصة باليه “بحيرة البجع” بتشكيلات هندسيَّة متزامنة ودقيقة للغاية، بينما يستعدّ الراكبون في الخلف لتلقّي ضربة ستجعلهم يُعيدون النظر في تكرار تجربة “امتطاء” مركبة.
في بلاد اخترعت العجلة، عجز المهندسون عن حلِّ معضلة فواصل التمدّد في المجسّرات “الجوينات”.. “جوينات” تتآكل وتتعطل فور صيانتها، أو بعد أسبوع، يتوقف فيها المجسَّر شهرًا أو أكثر.. قطع صغيرة من البلاستيك لا يتجاوز عرض بعضها بضعة سنتيمترات، تُمارس دكتاتوريَّة مطلقة على إطارات العجلات ووقت وأعصاب السائقين والركّاب.. “الجوينات” تحوّلت، بقدرة عجيبة، من مفصل يسمح للمجسَّر بالتمدّد والانكماش تبعًا لتغيّر درجات الحرارة إلى “حفرة” بامتيازات سياديَّة، تستقبل العجلات بـ”الطسات”، وتُودِّعها بالأعطال.
لا يغرنّك صغر حجم الجوين وضآلته، فهو كبير وعملاق بأفعاله، فلقد استبدل، بفضل مواهبه العظيمة، وظيفته من تفصيل هندسي إلى كمين مروري، ومن وسيلة لحماية الجسر إلى وسيلة لـ”تفليش” المركبات. وأصبح مصدرًا تسترزق منه محال التصليح وبائعو قطع الغيار، وكلما تعطل جوين” انتعشت ورشة تصليح.. الجوين مثل بعض السياسيين القادرين على تبوُّءِ شتّى المناصب، صغيرها وكبيرها، بصرف النظر عن المؤهلات!
الجوين، على عكس موظفي الدولة، لا يُحال على التقاعد مهما شاخ وطالت سنوات عمره، ومهما بلغت نسبة عجزٍ يعالجه ترقيع يُسمى “صيانة”.. غياب الجوين مؤقت لا يُمثل إلّا استراحة بين عَطَلين يستأنف بعدها هوايته في تخريب العجلات، وتجديد العلاقة بينه وبين المجسَّر والمقاول، بينما يدفع المواطن الفاتورة من جيبه وأعصابه ووقته.
في المحصّلة، أصبح الإنجاز الأبرز أنَّ الجوينات لم تكن يومًا خللًا هندسيًّا عابرًا، بل جزءٌ من تراث وتاريخ مدينة السلام، ففي كلِّ وقتٍ، آناء الليل وأطراف النهار تنطلق ـ لحظة الاقتراب من مجسّرـ “هورنات” المركبات مصحوبة بزعيق السائقين بما يُشبه لوحة تحذير: انتبه، أنت في حضرة نفوذ الجوين!