المشهد العربي في ظل عواصف ترامب السياسية..!
كتب / ناجي الغزي
في السياسة هناك لحظات تحدد مصير الأمم، وأحداث ترسم مسار التاريخ لعقود قادمة. واليوم، تقف المنطقة العربية أمام واحدة من أكثر اللحظات خطورة، حيث تعصف بها قرارات أمريكية متغطرسة، ترسم مستقبلها دون استشارة أصحاب الأرض، وكأن السيادة باتت مجرد مصطلح فارغ في قاموس السياسة الدولية.
ترامب، بمنهجه القائم على الصفقات والهيمنة بالقوة، تجاوز كل الخطوط الحمراء. لم يعد القانون الدولي ولا قرارات الأمم المتحدة عائقًا أمامه، بل بات يتعامل مع الشرق الأوسط كما لو كان تركةً شخصية، يوزعها وفقًا لمصالحه. وآخر فصول هذه السياسة كان محاولته فرض مشروع تهجير سكان غزة، في تحدٍّ صارخ لكل القيم والأعراف الدولية.
ملك الأردن في مواجهة العاصفة
في هذا السياق المتأزم، وجد ملك الأردن نفسه في موقف بالغ الصعوبة خلال لقائه مع ترامب في البيت الأبيض. لم يكن هناك مجال للغة الدبلوماسية، ولم يحاول ترامب حتى إضفاء أي قناع من الاحترام السياسي. كان صريحًا، مباشرًا، يملي شروطه دون مواربة.
لكن هنا يبرز السؤال الذي يرفض كثيرون مواجهته: ماذا يمكن لدولة مثل الأردن أن تفعله تجاه القوة العظمى الأولى في العالم؟ هل يمكنه رفض الإملاءات الأمريكية دون أن يعرّض بلاده لعواقب اقتصادية وأمنية خطيرة؟ وهل يمتلك الأردن، أو أي دولة عربية أخرى، القدرة على مواجهة هذه الضغوط منفردًا؟
العرب بين الخضوع والمقاومة: هل هناك خيار ثالث؟
إن التداعيات التي أعقبت 7 أكتوبر لا تزال تتفاعل كزلزال جيوسياسي، وارتداداته تهدد بتغيير موازين القوى في المنطقة بالكامل. الخيارات أمام العرب ليست سهلة، لكنها أيضًا ليست مستحيلة. إن الركون إلى سياسة الصمت والانتظار لن يؤدي إلا إلى مزيد من الإملاءات، بينما المواجهة دون تنسيق واستراتيجية مدروسة قد تكون مغامرة غير محسوبة.
إذًا، ما هي الخيارات أمام العرب؟
1. إعادة بناء موقف عربي موحد: لا يمكن لأي دولة عربية منفردة مواجهة المشروع الأمريكي-الإسرائيلي، لكن تحالفًا عربيًا متماسكًا قادر على خلق توازن جديد. لا بد من تجاوز الخلافات الداخلية، والتعامل مع التحديات كمصير مشترك لا كأزمات منفصلة.
2. توظيف القوى الصاعدة عالميًا: العالم لم يعد أحادي القطب كما كان بعد الحرب الباردة، وهناك قوى دولية أخرى مثل الصين وروسيا تبحث عن شركاء جدد في الشرق الأوسط. بناء علاقات استراتيجية مع هذه القوى قد يوفر للعرب خيارات أكثر استقلالية بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية.
3. الرهان على الشعوب: الأنظمة قد تكون مقيدة بحسابات سياسية، لكن الشعوب العربية لا تزال تملك أوراق ضغط حقيقية. تنامي الوعي الشعبي حول المخاطر التي تواجه القضية الفلسطينية والمنطقة بأكملها قد يدفع الحكومات إلى اتخاذ مواقف أكثر صلابة، بدلاً من سياسة المسايرة والتنازلات.
4. اللعب بالورقة الاقتصادية: أمريكا وإسرائيل لا تتحركان فقط بدوافع سياسية، بل هناك أجندات اقتصادية واضحة في أي تحرك لهما. الاستثمار في بناء اقتصادات عربية أكثر استقلالية، والتقليل من الاعتماد على الدعم الخارجي، سيقلل من قدرة واشنطن على فرض إرادتها عبر العقوبات والضغوط المالية.
ما بعد أمريكا: هل نحن مستعدون؟
ترامب يتعامل مع المنطقة بمنطق القوة، لكنه يراهن على أن العرب لن يمتلكوا الجرأة لمواجهته. لكن السؤال الحقيقي ليس فقط كيف نواجه هذه التحديات الآن، بل أيضًا كيف نستعد لما بعد أمريكا؟
فكل قوة عظمى تصل إلى قمة نفوذها، تبدأ بعدها في التراجع، والتاريخ مليء بالشواهد على ذلك. الولايات المتحدة لن تبقى القوة المهيمنة إلى الأبد، وعندما تبدأ قبضتها في التراخي، هل ستكون الدول العربية جاهزة لملء الفراغ؟ أم ستجد نفسها عالقة في دوامة من الفوضى كما حدث بعد سقوط الاتحاد السوفيتي؟
إن اللحظة التي نعيشها اليوم ليست مجرد أزمة سياسية، بل اختبار لمستقبل المنطقة بالكامل. والاستسلام للواقع لن يكون سوى خيار الخاسرين. فهل سيتحول العرب من متفرجين إلى لاعبين أساسيين في معادلة القوة؟ أم أنهم سيبقون رهائن لمعادلات صنعها غيرهم؟
الجواب لا يتوقف على القادة وحدهم، بل على الشعوب والإرادات التي تصنع التاريخ.