مصانع الدولة بين البيع والاستثمار.. هل تتحول الأصول إلى مسكنات للأزمات المالية؟
المعلومة / تقرير ..
في وقت تكافح فيه الاقتصادات الوطنية لتثبيت ركائز سيادتها المالية، تثير التوجهات الحكومية الأخيرة الرامية إلى بيع أصول الدولة، ولا سيما المنشآت والمعامل التابعة لوزارة الصناعة،عاصفةً من التساؤلات المشروعة والمخاوف الشعبية والنخبوية على حد سواء، وتحت لافتات عريضة تتنوع بين "الإصلاح الاقتصادي"، "شراكة القطاع الخاص"، و"التخلص من الشركات الخاسرة"، يبدو أن قطار الخصخصة قد انطلق بسرعة قصوى، متغافلاً عن خطورة التفريط ببنية تحتية استراتيجية شُيدت على مدار عقود من كدّ الشعوب وثروات الأجيال.
إن هذا المسار المتسارع لبيع قلاع الصناعة الوطنية لا يمكن قراءته، وفقاً لخبراء اقتصاد ومراقبين، إلا بوصفه خطوة متسرعة تشرعن الهدر الصريح للمال العام تحت ذرائع واهية، إذ إن تفكيك هذه الأصول وعرضها في سوق البيع بخس يُمثل تجريداً للدولة من أدوات مناورتها الاقتصادية، وتحويلاً لمقدراتها الإنتاجية إلى سلعٍ في بورصة المصالح الضيقة. يفتح هذا التقرير ملف خصخصة أصول وزارة الصناعة، ليفكك الحجج الواهية التي تسوقها الجهات الرسمية، ويكشف بالأرقام والوقائع كيف يتحول "الإصلاح المفترض" إلى عملية تفريط علني بأمن البلاد الاقتصادي ومستقبل أجيالها.
وفي هذا السياق حذر الخبير الاقتصادي هاشم الحبوبي، من التوجه نحو بيع أصول الدولة خاصة اصول وزارة الصناعة تحت أي ذريعة، واصفاً هذا الإجراء بالهدر الصريح للمال العام والتفريط بمقدرات الدولة الاقتصادية.
وقال الحبوبي في تصريح لوكالة / المعلومة /، إن "وزارة الصناعة تمتلك أعداداً كبيرة من المصانع والمعامل بمختلف التنوعات الإنتاجية المهمة، والتي يمكن أن تحقق مردودات اقتصادية هائلة في حال عودتها للعمل"، مشيراً إلى أن "كوادرها البشرية متواجدة بالفعل وتتقاضى رواتب مستمرة من الدولة دون إنتاجية حقيقية".
وأضاف أن "عملية إعادة تأهيل هذه المصانع والمعامل الضخمة تتطلب مبالغ مالية كبيرة قد تثقل كاهل الموازنة العامة للبلاد"، مبيناً أن "الخيار الأنسب والأمثل أمام الحكومة هو عرضها للاستثمار من قبل شركات عالمية ومحلية متخصصة".
وشدد الحبوبي، على "الرفض القاطع لتوجه بيع أصول الدولة في مختلف القطعات "، مؤكداً أن الاستثمار المشترك هو الكفيل بإعادة الروح للإنتاج الوطني دون تحميل ميزانية الدولة أعباءً إضافية.
من جهته أكد الخبير القانوني علي التميمي، أن مجلس النواب يستطيع تشكيل لجنة متخصصة لمتابعة ملف عقارات الدولة المستولى عليها، والتنسيق مع مجالس المحافظات والجهات المعنية، مبيناً أن لجنة النزاهة والادعاء العام يمكنهما متابعة هذا الملف وفقاً للقانون.
وقال التميمي في تصريح لـ/المعلومة/ إن "مجلس النواب يستطيع تشكيل لجنة متخصصة لمتابعة موضوع عقارات الدولة، والتنسيق مع مجالس المحافظات بشأن العقارات التي تم الاستيلاء عليها أو التصرف بها بصورة مخالفة للقانون"، مبيناً أن "لجنة النزاهة تستطيع أيضاً متابعة هذا الملف، فضلاً عن الادعاء العام، استناداً إلى أحكام قانون استرداد ممتلكات الدولة".
وأضاف أن "المادتين الثانية والخامسة من قانون استرداد ممتلكات الدولة توفران سنداً قانونياً لمتابعة هذا الملف واتخاذ الإجراءات اللازمة بشأن الممتلكات التي تعود للدولة"، مشيراً إلى أن "القانون المدني يتضمن أيضاً أحكاماً يمكن الاستناد إليها في معالجة حالات الغبن الفاحش".
وأوضح التميمي أن "المواد من 124 إلى 140 من القانون المدني تناولت موضوع الغبن الفاحش، وفي حال وجود غبن فاحش في عقار عائد للدولة، خصوصاً إذا تم الاستيلاء عليه أو التصرف به مقابل ثمن بخس، فإن من حق المحكمة النظر في القضية واتخاذ القرار المناسب وفقاً للقانون".
وبين أن "معالجة هذا الملف تحتاج إلى تحرك مؤسساتي وتنسيق بين مجلس النواب والجهات الرقابية والقضائية ومجالس المحافظات، من أجل حصر العقارات العائدة للدولة والتحقق من كيفية التصرف بها"، لافتاً إلى أن "الهدف يجب أن يكون الحفاظ على ممتلكات الدولة واسترداد العقارات التي تم التصرف بها بصورة مخالفة للقانون".
وأشار التميمي إلى أن "هناك نحو ستة آلاف عقار تم الاستيلاء عليها من قبل أحزاب سياسية متنفذة"، داعياً إلى "فتح هذا الملف ومراجعته بصورة قانونية، واتخاذ الإجراءات بحق كل من يثبت تورطه في الاستيلاء على ممتلكات الدولة أو التصرف بها خلافاً للقانون".
ويأتي الحديث عن عقارات الدولة في ظل استمرار المطالبات بضرورة حماية المال العام وممتلكات الدولة ومنع التصرف بها خارج الأطر القانونية، مع التأكيد على أهمية تفعيل دور الجهات الرقابية والقضائية في متابعة ملفات التجاوز والاستيلاء على العقارات الحكومية.انتهى/25م