ساعات في الطوابير بلا وقود.. البنزين المحسن يختفي من محطات بغداد
المعلومة/ تقرير…
عادت أزمة شح البنزين والمشتقات النفطية إلى شوارع بغداد وعدد من محافظات الوسط والجنوب، بعدما شهدت محطات تعبئة إغلاقاً ونقصاً في كميات الوقود، بالتزامن مع طوابير طويلة من المركبات، في مشهد يعيد إلى الواجهة تساؤلات متكررة بشأن قدرة الحكومة على تأمين المشتقات النفطية في بلد يعد من كبار منتجي النفط عالمياً.
وتتركز الأزمة بصورة أوضح في البنزين المحسن، إذ يؤكد مواطنون توفر البنزين العادي في بعض المحطات مقابل شح المحسن، الأمر الذي دفع آلاف السائقين إلى التنقل بين المحطات بحثاً عن الوقود، وسط غياب معلومات واضحة بشأن مواعيد التجهيز والكميات المتوفرة.
ويقول سائقو سيارات أجرة إن الأزمة انعكست بشكل مباشر على أعمالهم اليومية، لكون الوقود يمثل أساس عملهم ومصدر دخلهم، فيما بات الانتظار لساعات أمام المحطات أو التنقل بينها بحثاً عن البنزين جزءاً من معاناة يومية متكررة.
المواطن وسام يروي لـ/المعلومة/ جانباً من معاناته، موضحاً أنه توجه إلى محطة المنصور المقابلة لمعرض بغداد الدولي بعد التأكد من توفر البنزين المحسن، إلا أنه اضطر إلى الدخول في طابور طويل من المركبات.
ويضيف أن الوصول إلى الطابور لم يكن سهلاً، بسبب منع مفارز المرور المركبات من الوقوف في الفرع الذي امتد فيه الطابور، ما اضطره إلى الدوران للوصول إلى نهايته، قبل أن ينتظر قرابة نصف ساعة إلى 40 دقيقة، ليتفاجأ عند وصوله إلى المحطة بإبلاغه بنفاد البنزين المحسن.
ويشير وسام إلى أنه لم يحصل على إجابة واضحة بشأن موعد وصول كميات جديدة، قبل أن يخوض تجربة مماثلة في محطة أخرى قرب ملعب الشعب، حيث انتظر قرابة ساعة، ليُبلغ عند وصول دوره أيضاً بعدم توفر البنزين المحسن.
ويرى أن المشكلة لا تقتصر على نقص الوقود، وإنما تمتد إلى طريقة إدارة الأزمة داخل المحطات وغياب المعلومات الواضحة للمواطنين، مبيناً أن وضع لافتة عند مدخل المحطة تشير إلى عدم توفر نوع معين من الوقود كان من شأنه تجنيب السائقين الانتظار لفترات طويلة دون جدوى.
ويؤكد أن معالجة الأزمة تتطلب مزيداً من الشفافية، وإبلاغ المواطنين بشكل مسبق بحقيقة توفر الوقود، حتى يتمكن أصحاب المركبات من تنظيم تنقلاتهم وتقليل استخدام السيارات عند عدم وجود حاجة ضرورية إليها، معتبراً أن إبلاغ السائق بعد وصوله إلى مقدمة الطابور يعكس خللاً في إدارة الأزمة.
عجز في الإنتاج مقابل ارتفاع الطلب
وبينما تتسع طوابير المركبات، تضع وزارة النفط الأزمة في إطار مختلف، مرجعة أسباب تفاقم الشحة إلى ارتفاع الاستهلاك المحلي وأعطال فنية في بعض المصافي.
وتؤكد الوزارة أن حجم الطلب اليومي على أنواع البنزين الثلاثة ارتفع من نحو 33 مليون لتر إلى قرابة 38 مليون لتر يومياً، بالتزامن مع تعرض بعض المصافي التي تزود السوق بالبنزين المحسن لأعطال فنية أدت إلى توقف إنتاجها خلال الأيام الماضية.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الإنتاج المحلي يبلغ نحو 29 مليون لتر يومياً مقابل استهلاك طبيعي يقدر بنحو 33 مليون لتر، فيما يرتفع الطلب خلال أوقات الذروة إلى قرابة 38 مليون لتر، ما يعني وجود فجوة يومية تصل إلى نحو 9 ملايين لتر مقارنة بالإنتاج المحلي في فترات ارتفاع الطلب.
وأمام اتساع الفجوة، أكدت وزارة النفط إبرام عقد جديد لاستيراد الوقود بهدف السيطرة على الشحة وإنهائها في محطات التعبئة خلال الأيام القليلة المقبلة، مع ترجيحات بوصول شحنات جديدة إلى المدن العراقية.
لكن هذه المعالجات تفتح الباب مجدداً أمام السؤال الأبرز: لماذا لا يزال العراق، بكل ما يمتلكه من ثروة نفطية، مضطراً إلى استيراد البنزين لسد احتياجاته المحلية؟
الجواهري: الأزمة نتيجة سوء الإدارة
الخبير الاقتصادي عامر الجواهري يحمّل الإدارة الحكومية مسؤولية تفاقم أزمة المشتقات النفطية، مؤكداً أن العراق لا يعاني من أزمة موارد حقيقية، وإنما من مشكلة في التخطيط والتنفيذ وإدارة ملف الطاقة.
وقال الجواهري في تصريح لـ/المعلومة/ إن العراق لا يمر بشح فعلي في الثروات، معتبراً أن أزمة الوقود جاءت نتيجة مباشرة لـسوء الإدارة الحكومية والتخبط في المعالجات.
وأشار إلى أن العراق ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك ويمتلك احتياطات نفطية كبيرة، ومع ذلك يعجز عن توفير الوقود لمواطنيه، معتبراً أن استمرار الأزمة يطرح علامات استفهام كبيرة بشأن إدارة القطاع النفطي.
ولفت الجواهري إلى تعطل وتوقف العمل في عدد من المصافي، بينها مصفى كربلاء ومصفى البصرة، بالتزامن مع مغادرة خبراء وكوادر فنية أجنبية للبلاد، مطالباً الحكومة بتوضيح أسباب انسحاب الشركات والخبراء وتأثير ذلك في خطوط الإنتاج.
وتساءل عن أسباب عجز الجهاز التنفيذي عن حل أزمة وصفها بأنها من أبسط الملفات الخدمية في بلد يمتلك موارد نفطية ضخمة، محذراً من أن استمرار تعطيل الإنتاج واللجوء إلى استيراد المشتقات يستنزف الأموال ويكشف، بحسب رأيه، عن غياب استراتيجية اقتصادية واضحة.
الكوبونات تعود إلى الواجهة
وبينما تتجه الأنظار إلى إجراءات وزارة النفط لاستيراد كميات جديدة من البنزين، تصاعدت مطالبات بإعادة النظر في آليات توزيع الوقود، ومن بينها تطبيق نظام البطاقات الوقودية «الكوبونات» في بغداد وبقية المحافظات.
ويرى سائقون أن اعتماد نظام أكثر تنظيماً يمكن أن يسهم في ضبط التوزيع ومنع الهدر أو التفاوت بين المناطق، متسائلين عن أسباب اقتصار تجربة البطاقات الوقودية على محافظة نينوى وعدم تعميمها على العاصمة وبقية المحافظات.
وتكشف الأزمة الحالية أن المشكلة لا تتعلق فقط بكمية البنزين المتوفرة، وإنما تمتد إلى الإنتاج والتكرير والاستيراد والتوزيع وإدارة المحطات، فضلاً عن قدرة الجهات الحكومية على توفير معلومات دقيقة وسريعة للمواطنين أثناء الأزمات.
وبينما تراهن وزارة النفط على الشحنات المستوردة الجديدة والأعطال الفنية، يبقى الشارع العراقي بانتظار نتائج ملموسة تنهي طوابير الوقود، خصوصاً أن تكرار الأزمة في بلد نفطي يضع الحكومة أمام اختبار حقيقي في إدارة قطاع الطاقة.
فإذا كان ارتفاع الاستهلاك إلى 38 مليون لتر يومياً قد فاقم الأزمة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: هل تمتلك الحكومة خطة تمنع تكرارها عند ارتفاع الطلب مستقبلاً، أم أن الاستيراد سيبقى الحل المؤقت لكل أزمة وقود؟. انتهى / 25م