ضغوط الحرب تكشف نقاط ضعف السعودية.. أمن الطاقة ورؤية 2030 في دائرة الخطر
المعلومة/ تقرير...
تواجه السعودية مرحلة متصاعدة من الضغوط الأمنية والاقتصادية والسياسية، في ظل اتساع التهديدات التي تستهدف بنيتها التحتية ومصالحها الاستراتيجية، وتزايد المخاوف بشأن قدرتها على حماية منشآت الطاقة وضمان استمرار تدفق الصادرات، بالتزامن مع تحديات اقتصادية تضع طموحات ولي العهد محمد بن سلمان، ولا سيما رؤية 2030، أمام اختبار صعب.
وتكشف التطورات الأخيرة عن فجوة بين الطموحات التي تسعى الرياض إلى تكريسها بوصفها قوة إقليمية ومركزاً عالمياً للاستثمار والسياحة والطاقة، وبين التحديات التي تواجهها في حماية أراضيها ومنشآتها الحيوية من الهجمات، فضلاً عن اعتمادها المستمر على الشراكات الأمنية الخارجية في مواجهة المخاطر الإقليمية.
وفي قراءة لهذه التطورات، يرى الخبير في شؤون الخليج يوئيل غوزانسكي، في مقال نشرته القناة 12 العبرية، أن تراكم الضغوط على المملكة قد يتحول إلى تحدٍ سياسي داخلي إذا استمرت الحرب وتفاقمت تداعياتها الاقتصادية والأمنية، محذراً من أن تركيز السلطة بيد شخص واحد يجعل استقرار النظام أكثر ارتباطاً بأداء القيادة ونجاحها في الوفاء بتعهداتها.
المنشآت الحيوية تحت التهديد.. اختبار لقدرات الدفاع السعودي
يمثل الملف الأمني إحدى أبرز نقاط الضغط على الرياض، في ظل التهديدات التي تواجه منشآت الطاقة والمطارات والبنية التحتية الاستراتيجية، وهي قطاعات تشكل ركائز أساسية للاقتصاد السعودي وخططه الرامية إلى استقطاب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز حضوره في الأسواق العالمية.
وفي تقرير نشرته مجموعة أبحاث النزاعات المسلحة «ACLED» في تشرين الأول 2026، أشارت المجموعة إلى تزايد الهجمات ومحاولات الاستهداف التي طالت منشآت استراتيجية سعودية، بما فيها مواقع في قطاع الطاقة ومرافق الطيران، لافتة إلى أن اتساع رقعة التهديدات يفرض أعباء إضافية على منظومات الدفاع الجوي ويجعل حماية المنشآت المنتشرة على مساحة جغرافية واسعة مهمة معقدة.
كما أشار التقرير إلى أن الهجمات التي طالت مرافق الطاقة لم تقتصر آثارها على الأضرار المادية، بل امتدت إلى اضطراب حركة الطيران وتزايد المخاطر التي تواجه المستثمرين والفعاليات الاقتصادية، بما يضع صورة المملكة بوصفها بيئة آمنة للأعمال أمام تحديات متزايدة.
وتبرز هذه التطورات محدودية قدرة الإنفاق العسكري وحده على توفير حماية كاملة من التهديدات، خصوصاً عندما تتعدد مصادرها وتتباين طبيعتها بين الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات التي تستهدف البنية التحتية وطرق تصدير الطاقة.
وتكمن المشكلة بالنسبة إلى الرياض في أن أي اختراق أمني، حتى إذا لم يؤد إلى تعطيل واسع للإنتاج، قد يفرض تكاليف إضافية على عمليات الحماية والتأمين، ويؤثر في ثقة الشركات التي تربط قراراتها الاستثمارية بدرجة الاستقرار الأمني في المملكة.
الحرب تضغط على الاقتصاد.. ورؤية 2030 أمام اختبار قاسٍ
لا تنحصر تداعيات الضغوط الأمنية في الجانب العسكري، بل تمتد إلى الاقتصاد الذي يشكل أحد الأعمدة الرئيسية لمشروع محمد بن سلمان السياسي، القائم على تنويع مصادر الدخل وتوسيع القطاعات غير النفطية وتحويل المملكة إلى مركز عالمي للسياحة والأعمال والاستثمار.
وتواجه هذه الطموحات تحدياً مع تزايد الإنفاق على الدفاع والحماية، واضطراب بعض الأنشطة المرتبطة بالطيران والسياحة والاستثمار، فضلاً عن المخاطر التي تحيط بصادرات الطاقة، التي لا تزال تمثل مورداً محورياً للإيرادات الحكومية.
وفي هذا السياق، أشار تقرير لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي صدر في أيار 2026 إلى أن النتائج الاقتصادية لرؤية 2030 ما زالت متفاوتة، وأن اعتماد المملكة على الإيرادات النفطية لا يزال مرتفعاً، فيما تزيد الحرب الإقليمية الضغوط على المشروع من خلال تحويل الموارد نحو الأمن وإدارة المخاطر وإضعاف ثقة المستثمرين.
وتكشف هذه المعطيات عن معضلة تواجه صانع القرار السعودي؛ إذ إن استمرار تخصيص موارد أكبر للإنفاق الأمني قد يفرض مراجعة أولويات بعض المشاريع التنموية، بينما يمكن أن يؤدي تأجيل المشاريع أو إبطاء تنفيذها إلى تقليص العوائد الاقتصادية المنتظرة منها.
ولا يعني ذلك أن السعودية باتت على أعتاب أزمة مالية حتمية، لكنها تواجه اختباراً يتعلق بقدرتها على الموازنة بين متطلبات الدفاع عن أمنها، وتمويل مشاريع التحول الاقتصادي، والحفاظ على مستوى التوقعات التي ارتبطت برؤية 2030.
وتزداد أهمية هذا التحدي لأن الرؤية لا تمثل برنامجاً اقتصادياً فحسب، بل ترتبط أيضاً بتعهدات اجتماعية تتعلق بالتوظيف وتحسين مستويات المعيشة وتوسيع فرص الاستثمار والانفتاح الاقتصادي، وهي ملفات تشكل جزءاً من الأساس الذي تستند إليه القيادة في تعزيز الاستقرار الداخلي.
المظلة الأمريكية.. تساؤلات بشأن ضمانات الحماية
على المستوى الخارجي، تثير التطورات الأمنية تساؤلات بشأن حدود الاعتماد السعودي على الولايات المتحدة في توفير الحماية والردع، ولا سيما في ظل اتساع التهديدات التي تواجه المنطقة وتعدد المصالح والأولويات لدى القوى الدولية.
فرغم ما تمتلكه المملكة من موارد مالية وقدرات عسكرية متطورة وصفقات تسليح واسعة، فإن امتلاك الأسلحة الحديثة لا يلغي الحاجة إلى منظومات متكاملة للإنذار المبكر والدفاع الجوي والتنسيق الاستخباري والدعم اللوجستي، وهي مجالات يرتبط جانب مهم منها بالشراكات الخارجية.
ويرى غوزانسكي أن الشكوك بشأن مدى استعداد واشنطن للتدخل لحماية المملكة في مختلف السيناريوهات، إلى جانب حدود الدعم الذي يمكن أن تقدمه قوى أخرى، تكشف عن فجوة محتملة بين التوقعات السعودية والضمانات الأمنية المتاحة.
وتضع هذه المعادلة الرياض أمام تحدٍ استراتيجي يتمثل في الحفاظ على علاقاتها الأمنية مع واشنطن، مع السعي في الوقت ذاته إلى توسيع خياراتها الدفاعية وبناء شراكات إقليمية تقلل من مخاطر الاعتماد على طرف واحد.
وتبرز هنا مفارقة أساسية؛ فالسعودية تمتلك الموارد التي تتيح لها الاستثمار في قدراتها العسكرية، لكنها تواجه تهديدات لا يمكن احتواؤها بالإنفاق وحده، خصوصاً عندما ترتبط بتطورات إقليمية متشابكة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر واليمن.
مركزية السلطة.. قوة لبن سلمان أم نقطة ضعف للنظام؟
لا تتوقف التحديات عند الأمن والاقتصاد، بل تمتد إلى بنية الحكم نفسها، في ظل التحولات التي قادها محمد بن سلمان خلال السنوات الماضية، والتي أسهمت في تركيز السلطات وتقليص نفوذ مراكز القوى التقليدية داخل المملكة.
وقد منحت هذه المركزية ولي العهد قدرة أكبر على اتخاذ القرارات وتنفيذ التحولات الاقتصادية والاجتماعية بسرعة، لكنها، وفق قراءة غوزانسكي، جعلت أداء النظام مرتبطاً بصورة أوثق بنجاح القيادة في إدارة الأزمات وتحقيق الوعود المعلنة.
فكلما ارتبطت الإنجازات السياسية والاقتصادية بشخص القيادة، ازدادت احتمالات تحميلها مسؤولية الإخفاقات أيضاً، ولا سيما إذا تزامنت الأزمات الخارجية مع تباطؤ اقتصادي أو تراجع في الثقة بالقدرة على توفير الأمن والازدهار.
وتتمثل إحدى نقاط الضعف المحتملة في محدودية التوازنات الداخلية القادرة على امتصاص الصدمات السياسية، بعدما تراجعت أدوار بعض مراكز النفوذ التقليدية لصالح منظومة أكثر مركزية.
وفي حال استمرار الضغوط لفترة طويلة، قد تتزايد التحديات أمام الحفاظ على تماسك النخب السياسية والاقتصادية، خصوصاً إذا تزامنت مع خلافات داخلية أو توترات تتصل بترتيبات انتقال السلطة مستقبلاً.
لكن هذه الاحتمالات لا تعني وجود مؤشرات مؤكدة على انقسام داخل الأسرة الحاكمة أو قرب انهيار النظام؛ إذ يشير التقرير العبري نفسه إلى عدم وجود أدلة حالية على تشكل تنظيم داخلي قادر على تحدي الحكم، ما يجعل الحديث عن تقويض الاستقرار سيناريو مشروطاً بتراكم الأزمات، وليس نتيجة محسومة.انتهى/25