الرياض في مأزق المواجهة.. صواريخ أنصار الله تدفع السعودية للبحث عن مخرج عسكري
المعلومة/ تقرير..
في مشهد يعكس تعقيدات المواجهة اليمنية واتساع تداعياتها الإقليمية، تجد السعودية نفسها أمام تحد أمني وعسكري متجدد بفعل الهجمات الصاروخية والجوية التي تنفذها حركة أنصار الله، في وقت لم تنجح فيه سنوات المواجهة والتحالفات العسكرية في إنهاء التهديد الذي تمثله الحركة أو حسم الصراع لمصلحة الرياض.
وتكشف التطورات الأخيرة عن فجوة بين الإمكانات العسكرية الكبيرة التي تمتلكها السعودية، وما تواجهه على أرض الواقع من صعوبة في احتواء هجمات متكررة تستهدف منشآت حيوية ومطارات ومواقع داخل أراضيها، الأمر الذي يدفعها إلى توسيع دائرة التعاون العسكري والبحث عن خبرات إضافية لتعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية.
ففي الوقت الذي تعتمد فيه الرياض على منظومات دفاع جوي متطورة وشراكات عسكرية مع الولايات المتحدة ودول غربية وإقليمية، تواصل أنصار الله استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة في استهداف مواقع سعودية، مستفيدة من طبيعة المواجهة غير المتكافئة، التي تضع القدرات الدفاعية التقليدية أمام تحدي التعامل مع هجمات متعددة ومتغيرة الوسائل.
وتبرز أهمية هذا التحدي في أن اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة لا يعني بالضرورة إنهاء التهديد، إذ تفرض الهجمات المتكررة أعباء أمنية واقتصادية وعسكرية، وتستنزف الموارد المخصصة لحماية المنشآت الحيوية، فضلا عن انعكاساتها على حركة الطيران والاستقرار الاقتصادي وصورة المملكة الأمنية.
أنصار الله.. حرب استنزاف تتجاوز التفوق العسكري التقليدي
وتستند حركة أنصار الله في مواجهتها إلى استراتيجية تقوم على توظيف الصواريخ والطائرات المسيرة والضغط المتواصل، بدلا من الدخول في مواجهة تقليدية مفتوحة مع جيش يمتلك تفوقا كبيرا في التسليح والقدرات الجوية. وتمنح هذه المعادلة الحركة قدرة على إبقاء التهديد قائما، حتى في ظل الفارق الواسع في الإمكانات العسكرية بينها وبين السعودية.
وفي تطور يعكس حجم التصعيد، تحدثت تقارير عن استهداف مطارات ومنشآت نفطية سعودية، فيما أعلنت الجهات العسكرية السعودية اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة خلال الأيام الماضية، بينها صواريخ باليستية وطائرات مسيرة قالت إنها كانت متجهة نحو الرياض ومكة المكرمة والمدينة المنورة ومناطق أخرى.
كما نقلت رويترز في تقرير سابق أن التحالف الذي تقوده السعودية تحدث عن محاولات لاستهداف عشرات المنشآت والمطارات والموانئ، في مؤشر على اتساع نطاق التهديد الذي تواجهه المملكة خلال جولة التصعيد الحالية.
ولا تعني هذه التطورات بالضرورة انهيار منظومات الدفاع السعودية، خصوصا مع إعلان اعتراض عدد من الهجمات، لكنها تكشف أن امتلاك منظومات تسليح متقدمة لا يوفر حماية مطلقة من الهجمات المتكررة، وأن استمرار المواجهة يفرض على الرياض كلفة أمنية وعسكرية متصاعدة.
دمشق تدخل على خط المواجهة.. والاستعانة بالخبرات السورية
وفي مؤشر آخر على حجم التحديات التي تواجهها الرياض، كشفت وكالة رويترز، الجمعة، عن إرسال سوريا عشرات العسكريين إلى السعودية خلال الأسابيع الأخيرة، لتقديم المشورة والتدريب للقوات السعودية واليمنية، في إطار التعاون الدفاعي بين البلدين.
ونقلت الوكالة عن مصادر عسكرية سورية ومسؤول أمريكي كبير أن الفرق السورية تعمل على نقل الخبرات القتالية التي اكتسبها أفرادها خلال سنوات الحرب، بهدف رفع كفاءة الوحدات السعودية واليمنية وتحسين قدراتها القتالية، مع الإشارة إلى احتمال أن يكون نطاق مهام هذه الفرق أوسع من التدريب والاستشارة.
وتكشف هذه الخطوة عن توجه سعودي لتوسيع شبكة الشراكات العسكرية والاستفادة من خبرات أطراف أخرى، في وقت تتواصل فيه الهجمات المنسوبة إلى أنصار الله، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الرياض على احتواء التهديد بالاعتماد على إمكاناتها الذاتية وشركائها التقليديين فقط.
ولم يقتصر الحراك السعودي على دمشق، إذ صادقت تركيا على اتفاق دفاعي أبرم في مكة خلال آب الماضي مع السعودية وباكستان، بما يفتح المجال أمام توسيع التعاون العسكري بين أطرافه، فيما تبحث سوريا إمكانية الانضمام إلى هذا الإطار الدفاعي.
واشنطن تحذر.. ومأزق الحرب يتسع
في المقابل، أبدت الولايات المتحدة مخاوف من انخراط سوريا بصورة مباشرة في الحرب اليمنية، محذرة دمشق من أن إرسال قوات للمشاركة في المواجهة قد يجرها إلى صراع إقليمي أوسع، في وقت تحاول فيه الحكومة السورية التركيز على ملفات الأمن الداخلي وإعادة الإعمار.
وتعكس التحذيرات الأمريكية إدراك واشنطن لحساسية توسيع المواجهة، خصوصا أن دخول أطراف إقليمية جديدة قد يحول الصراع من مواجهة يمنية سعودية إلى ساحة اشتباك أوسع، تتداخل فيها حسابات الأمن الخليجي والتوازنات الإقليمية.
وبالتوازي مع التعاون الدفاعي، وقعت السعودية وسوريا ست اتفاقيات تنموية تتضمن قروضا ميسرة تتجاوز قيمتها 403 ملايين دولار، في خطوة تجمع بين الدعم الاقتصادي والتقارب السياسي والعسكري، وتؤكد اتساع مسارات العلاقة بين البلدين.
الرياض بين كلفة المواجهة وخيارات التصعيد
وبقراءة مسار التطورات، تبدو السعودية أمام معادلة معقدة؛ فهي تمتلك تفوقا واضحا في التسليح والقدرات الجوية والدعم الدولي، لكنها تواجه خصما يعتمد أساليب حرب غير تقليدية، ويستطيع إبقاء الضغط العسكري قائما عبر الهجمات الصاروخية والمسيرة، بما يجعل الحسم العسكري أمرا أكثر تعقيدا.
وفي المقابل، لا يمكن اعتبار استمرار الهجمات وحده دليلا على انتصار عسكري نهائي لأنصار الله، كما أن اعتراض بعض الصواريخ والمسيرات لا يعني انتهاء التهديد أو نجاح الرياض في احتوائه بصورة كاملة. فالمواجهة تقاس بقدرة كل طرف على تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية، وبحجم الخسائر والكلفة التي يتحملها على امتداد الصراع.انتهى/25