الذكاء الاصطناعي يتصدر المشهد الفلسفي: من "وثنية الصورة" إلى صياغة ميتافيزيقا افتراضية تحجب الواقع
المعلومة/ متابعة...
يتصدر الذكاء الاصطناعي وخوارزمياته الرقمية اليوم واجهة التحولات الفكرية والإدراكية الكبرى، ليعيد إلى الأذهان نبوءة مبكرة أطلقها الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه عام 1992 في كتابه "حياة الصورة وموتها"، حين حذر من أن "كثرة الصور تؤدي إلى العمى البصري"، وأن "وفرتها تقود إلى ضرب من الوثنية الجديدة".
وتتقاطع هذه الرؤية مع الهيمنة الحالية للذكاء الاصطناعي في إعادة إنتاج العالم الافتراضي؛ حيث تحجب الصورة الفائضة رؤية الواقع الحقيقي وتصادر وعي المتلقي، تماماً كما تحجب الأصنام الإيمان بالجوهر الغيبي لتعوضه بالارتباط بالوسيط الرمزي، ليتحول الافتراضي من مجرد مشروع تقني في تسعينيات القرن الماضي إلى فضاء كلي تعيد الخوارزميات صياغة مفاهيمه الأساسية مثل: الواقع، والافتراضي، والأنا والآخر، والوجود.
وقد رسخت خوارزميات التوليد الاصطناعي ما وصفه مفكرون بـ"الاعتقاد في الصورة"، بعد أن تجاوزت مرحلة الاستخدام الأداتي البسيط وأصبحت هي المتحكم بسلوك المستخدم وموجهة لإدراكه؛ ما دمج الصورة الرقمية عميقاً ضمن استراتيجيات الذكاء الاصطناعي لتغدو "صيغة وجودية" قائمة بذاتها تفرض نفسها على الوعي الإنساني.
ويقود تصدر الذكاء الاصطناعي للواقع المعاصر إلى التساؤل حول دخوله عصر "ميتافيزيقا الافتراضي"؛ فبعد أن عُرفت الميتافيزيقا تاريخياً ببحثها في ما وراء الظواهر الحسية والجواهر غير المرئية—والتي سعت فلسفات القرن العشرين لتفكيك ثنائياتها بين الجسد والروح أو الواقع والمتخيل—باتت المنظومات الاصطناعية تنتج قوى غير مرئية جديدة تدير الإدراك وتخلق واقعاً موازياً يتجاوز المحسوس ويسيطر على مدركات العصر الحديث. انتهى/25