على حافة الصدمة.. هل يتجنب العالم الكارثة؟
كتب / رامي الشاعر
قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، الثلاثاء 28 أبريل في مقابلة مع “فوكس نيوز”، إن مضيق هرمز بمثابة سلاح نووي اقتصادي تحاول إيران استخدامه ضد العالم.
يبدو التصريح بمثابة اعتراف أمريكي رسمي بالقوة الاستراتيجية الإيرانية، التي تستخدم اليوم للضغط على الولايات المتحدة الأمريكية، القوة النووية العظمى، التي تعجز حتى اللحظة في فك الحصار، الذي يسبب أزمة اقتصادية عالمية تتفاقم على مدار الساعة.
كذلك أكد وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف بن راشد الزياني أن إغلاق مضيق هرمز يشكل تهديدا للأمن والسلم الدوليين، وجدد بيان لمجموعة من الدول الأعضاء بالأمم المتحدة الدعوة إلى فتح مضيق هرمز بشكل عاجل ودون عوائق.
وإذا كانت أزمة “الركود التضخمي” Stagflation، سبعينيات القرن الماضي (الناجمة عن صدمتي النفط 1973 و1979)، والتي تسببت حينها في سلسلة من الصدمات المتتالية هي أزمة “حركة”، تشبه ما نعاني منه حتى اللحظة، فإن ما نحن مقبلون عليه، وسط تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستئناف القتال، وإعادة إيران “إلى العصر الحجري”، وتدمير منشآت الطاقة والجسور، يهدد برد إيراني مفزع بالهجوم على منشآت الطاقة الخليجية، هو تحول الأزمة الراهنة من أزمة “حركة” إلى أزمة “وجود”، أي أن النفط في السبعينيات كان موجودا لكنه لا يصل، أما الآن فهو يقف أمام تهديد وجودي مدمر.
فوقف الإنتاج، ولجوء عدد من منتجي النفط إلى حالة القوة القاهرة، سيؤدي إلى أشهر ربما حتى يعاد ضخ إمدادات الطاقة إلى الأسواق، في ظل وجود بدائل أخرى يمكن أن تعادل تأثير اختفاء ما يقرب من 20% من الإمدادات العالمية. أما تدمير الإنتاج، فسيتسبب في أزمة أعمق بأضعاف المرات من أزمات السبعينيات، لأن منشآت إنتاج النفط في السبعينيات وإن كانت قد خفضت إنتاجها، أو حتى توقفت عن الإنتاج مؤقتا، إلا أنها ظلت موجودة، وأمكن استعادة إنتاجها. أما الدمار الشامل الذي يتهدد المنطقة فالحديث يدور عن مستوى آخر من تتابع انهيار ألواح الدومينو للاقتصاد العالمي، وهو ما سيستغرق سنوات وربما عقود للتعافي من آثاره.
ولن تكون أي دولة بمنأى عن المصاعب وربما الانهيار بما في ذلك أكبر الاقتصادات العالمية. فارتفاع أسعار النفط إلى 200 دولار للبرميل، وفقا لبعض التقديرات المتشائمة، أو حتى 130-150، وفقا لأكثر التقديرات تفاؤلا، سيتسبب أولا في ارتفاع تكلفة الأسمدة، والنقل، والسلع الغذائية، والخدمات، وسيدفع الاقتصادات الأكثر هشاشة نحو موجات تضخم عاتية، وما يمكن أن يتبع ذلك من توترات وقلاقل سياسية، وموجات هجرة، ومجاعات، وأوبئة.
ما يثير القلق حقا هو ما يمكن أن تسببه هذه الأزمة المستفحلة والمستمرة للصين، أكبر مستورد للنفط من المنطقة على مستوى العالم، ومع التزام الصين بالدبلوماسية الرصينة، والإصرار على حماية حرية الملاحة، والدعوة إلى خفض التصعيد والحوار، ورفض استخدام القوة أو العقوبات الأحادية، إلا أن لدى الصين أسطول بحري عابر للمحيطات لمهمات مكافحة القرصنة (في خليج عدن)، تشير بعض التحليلات الاستراتيجية إلى ما يمكن أن يحدث لو لجأت الصين لمرافقة سفنها إلى هرمز!
لا توجد أي تصريحات أو مواقف رسمية مرصودة في السياسة الصينية بهذا المضمون، إلا أن التطورات المتسارعة وبقاء الوضع شديد الخطورة حول مضيق هرمز دون حل يمكن أن يدفع نحو جميع السيناريوهات بلا استثناء، لا سيما مع فشل المفاوضات في باكستان وتصعيد لغة الخطاب بين الولايات المتحدة وإيران.
إلا أن ما يدعو إلى الدهشة حقا هو تصريح المندوب الأمريكي لدى الأمم المتحدة بأن الصين وروسيا “تتجاهلان معاناة دول الخليج والاقتصاد الدولي”، وكأن من تسبب في هذا الانفلات الأخير هو الصين أو روسيا أو حتى إيران. وكأن إيران هي من هاجم أراضي إسرائيل أو الولايات المتحدة في 28 فبراير الماضي لا العكس!
بالتزامن نستمع إلى شكوى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لنظيره الإيراني مسعود بزشكيان بأن شركات الطيران الفرنسية تواجه نفاد وقود الطائرات، فتقوم إيران بتقديم ما يلزم من وقود للطائرات الفرنسية، فيصدر تصريح من وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت بفرض عقوبات على كل من يتعامل مع الشركات الإيرانية. فأي عبث هذا؟!
إن ما ترغب فيه المنطقة على ضفتي الخليج وبين جانبي المضيق هو الاستقرار وحرية الملاحة والتجارة، وهيمنة الإرادة الإسرائيلية على المنطقة وهم مطلق تتبناه الحكومة الأكثر تطرفا في تاريخ الدولة العبرية، وهو ما أثبتته وتثبته الأحداث في المنطقة. كل ما هنالك أنه يتعين على اللاعبين أن يدركوا خطورة كرة النار التي يواصلون اللعب بها، ويعترفون بالحقائق على الأرض، لأن أول من سيكتوي بنار الصدمة سيكون إسرائيل حتى قبل دول الخليج.
من المفيد في هذا المقام استعادة مبادرة قديمة لموسكو، قبل عدة سنوات، عرضت فيها على دول المنطقة والمجتمع الدولي بأكمله مفهوما متكاملا لضمان الأمن الجماعي في منطقة الخليج، يقوم على مبدأ الأمن المتساوي وغير القابل للتجزئة لإيران وجيرانها العرب. وهي مبادرة لا تفقد أهميتها بل تستعيد حيويتها وضرورتها الملحة أكثر من أي وقت مضى.
وأعتقد أن الدول العربية والإسلامية ودول الجنوب العالمي كافة يجب أن تتحرك بكل طاقتها لوقف ذلك القطار المندفع بجنون نحو المجهول. فالوساطة الباكستانية هامة للغاية إلا أنها غير مستقرة سياسيا، حيث لا يزال الرئيس الأمريكي يلوح بالقوة وبالدمار، ويطلق تصريحات عما يسميه “اقتتالا داخليا” في محاولة (دعائية فيما أظن) لتصوير الأمر وكأنه توتر داخلي إيراني يعيد إلى الأذهان الصورة المختلقة والمزيفة التي رسمها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لترامب عشية 28 فبراير ليدفعه للانخراط في الحرب ضد إيران، بينما ظن الأخير أنها “فنزويلا أخرى” تستمر يوما أو بعض يوم.
إيران من الداخل، كما توضح البيانات والمعلومات الحقيقية على أرض الواقع، مستقرة سياسيا، والقرار السياسي الإيراني سيادي مستقل يعبر عن إرادة ملايين المواطنين الإيرانيين، الذين انقلب فيهم حتى معارضو الحكومة على المعتدي الأمريكي، برغم معارضتهم يوما وخروجهم في مظاهرات ضد القيادة الحالية. فلا أحد داخل إيران يمكن أن يتصور “الحرية” أو “الديمقراطية” على ظهور الدبابات الأمريكية والإسرائيلية.
لقد غيرت أزمة السبعينيات من القرن الماضي من وجه العالم اقتصاديا وسياسيا، وأعتقد أننا اليوم بصدد لحظة مفصلية مشابهة لتلك اللحظة حيث ينبغي علينا في الجنوب العالمي أن نفكر فيما يمكن فعله لدفع خطر الدمار عن شعوبنا المقهورة التي طالما عانت من الاحتلال والاستعمار واليوم تعاني من “الاستعمار الجديد” والحصار والعقوبات الأحادية والإملاءات والضغوط وتقف على حافة الصدمة وأمام خطر المجاعات والأوبئة والفناء.