مجهول المالك..!
ينتشر بين أوساط المؤمنين أنَّ من أسباب جرأة بعض السياسيين والموظفين على المال العام ، هو فتوى الفقهاء باعتباره مجهول المالك . بل ادّعى بعض أهل العلم ذلك ايضًا ، وهو خطأ جزمًا وبدءًا أوضِّح ، أنَّ مجهول المالك : هو مصطلح فقهي يعبّر به عن الأموال الخارجية التي يكون لها مالك ، ولكن يتعذر تشخيصه .
وعادةً ما يُطْلَق ذلك على أموال الدولة التي لا يُشرف على قيادتها الفقيه ، ولا تستند في جميع قوانينها إلى الشريعة الإسلامية ، ولو كانت تصرح بأنَّ الإسلام هو دينها الرسمي ، وهكذا أموال المصارف الحكومية في مثل تلك الدولة .
إذا عرفنا هذا فأقول :
إنَّ أيَّ طالب علمٍ مُحصِّل يعرف أنَّ لا ملازمة بين كون المال مجهول المالك وبين التجاوز عليه .
فمشهور الفقهاء يعتبرون أنَّ مثل هذه الدولة لا تملك بعض الأموال العامّة التي تحت سلطة مؤسساتها ، ومع ذلك فهم يفتون صريحاً بحرمة أيّ نحو من أنحاء التجاوز على تلك الأموال ؛ لأنَّ الحكم بكون المال مجهول المالك لا يعني سقوط حرمته ، وإنّما يعني اختلاف الجهة التي يُستأذَن منها في التصرف ، ففي المال المعلوم مالكه يجب أنْ يُستأذَن من المالك أو مَن يقوم مقامه ، بينما في المال المجهول مالكه فيُستَأذَن من الحاكم الشرعي أو مَن يقوم مقامه .
ولم يحتط الفقهاء بشيء – بعد الدماء والأعراض – كاحتياطهم في الأموال ، سواء أكانت معلومة المالك أو مجهولته.
وبعبارة : لا يوجد فقيه يفتي بجواز سرقة مجهول المالك ، غاية ما هناك أنَّ المال المعلوم مالكه يصح التصرف به من قبل الغير بإذن مالكه أو ولي المالك ونحوهما ، بينما التصرف بمجهول المالك إذا استحقه المُكَلَّف بسببٍ مشروع ، كما لو استلم الموظف أو المتقاعد راتبه أو مكافأة نهاية الخدمة ، أو أخذ المواطن ما يُعرَف بالسلفة من مصرف حكومي أو مشترَك ، فهو في كل ذلك لا يصح منه التصرف بهذه الأموال إلّا بإذن الحاكم الشرعي .
نعم ، عادةً ما يأذن المراجع الأحياء إذنًا عامًّا بالتصرف بما يُؤخَذ بمثل ذلك .
وعليه ، فإنَّ الاستناد إلى عنوان ( مجهول المالك ) لتبرير التجاوز على المال العام ، ونسبة ذلك إلى فتاوى الفقهاء ، لا أساس له من الصحة ؛ لأنَّ الفقهاء وإنْ اختلفوا في اعتبار بعض الجهات من حيث كونها تملك أو لا ، إلّا أنّهم متفقون على حرمة التصرف في الأموال مطلقًا ما لم يكن ذلك التصرف بوجه مشروع