تبديل عملة الدينار وحذف الاصفار .. ما له ، وما عليه
كتب / د. باسل عباس خضير ...
من دروس علوم الإدارة وتطبيقاتها في الحياة مررنا بمآثر وأقوال لا تزال تحفظها الذاكرة ، ومنها قول احدهم ( إذا أردت أن تصطاد السمك ، فليس عليك تجفيف النهر لتمسك ما فيه ، بل عليك استخدام الصنارة المناسبة والطعم الذي يجذب السمك لكي تكون صيادا ماهرا ، وتظفر بما تريد ) ، وتلك المقولة قريبة وقد ترتبط بما يتداول بوسائل التواصل الاجتماعي هذه الأيام ، بان الدولة تدرس موضوع تبديل عملة الدينار مقرونة بحذف الاصفار ، ووجه الارتباط بتلك المقول ما تم ذكره من أسباب ، والتي مفادها هو إسقاط المسروقات عن الفاسدين لصالح الدولة من الذي يدخرون السحت بالإخفاء ، بافتراض بان هذه العملية ستؤدي لعدم تمكين تبديل المسروقات بهيئة نقد والتي تقدر ب( 5- 10 ) تريليون دينار إلى الدينار الجديد .
ورغم إن ما تم ذكره لم يتم تأكيده ، لا من قبل البنك المركزي العراقي وهو الجهة المرجعية بإدارة النقد والإصدار ، ولا من مجلس الوزراء باعتباره الجهة التنفيذية للبلاد ، ولا من جهة التشريع من مجلس النواب ، ولان الدينار هي العملة الوطنية التي يتداول بها كل المواطنين ، فان ردود الأفعال تتنوع حسب قناعة الأفراد ، والبعض يؤيد فكرة تبديل العملة لأسباب وطنية ، أهمها إن تغيير العملة ( الصدامية ) إلى العملة الحالية لم يتم بقرار وطني ، لأنها تمت من قبل ( بول بريمر) أثناء سريان قرار مجلس الأمن الدولي المتعلق بتحرير العراق ، ولمضي أكثر من 20 سنة على الإصدار ولمغادرة الاحتلال والتواجد الأمريكي ، فانه من المفضل أن تكون لنا عملة بقرارنا الوطني المحلي بعيدا عن كل الاملاءات ، والبعض يعطي بعدا نفسيا لتغيير العملة حين يذكرون إن ذكراها ترتبط بماسي الاحتلال وما تركه من خراب ودمار ، والبعض المعارض يطرح تساؤل ، لماذا يتم التغيير في مثل هذه الظروف المالية التي يمر بها وما يحيط ذلك من ظروف سياسية ؟ .
وإذا كان الموضوع جديا في التغيير ، فمن المؤكد بأنه لا يرتبط حصرا بمحاصرة الأموال ( المدفونة هنا او هناك ) ، وإنما له إبعادا محددة ، لان ما يتردد يقترن بحذف الاصفار والذي يعني إجراء تبديل جوهري في الفئات النقدية ، بان يتحول ال( 1000 ) دينار إلى ( 1 ) دينار بما يجعل الفئات ، بالفلس ( 250 ،500 ) ، وبالدينار ( 1، 5 ، 10 ، 25 ، 50 ) ، وهو تغيير يبسطونه بمجرد حذف الاصفار ، وذلك يتطلب إعادة طبع وإصدار ( 8 ) تريليون من فئات الأوراق النقدية الصادرة ، مع الإبقاء على الكتلة النقدية الحالية بتحويلها لما يقارب ( 100 ) مليار دينار بدلا من 100 تريليون ، وبغض النظر عن الجدوى والمسببات فإنها من العمليات الكبيرة ، التي تستغرق أشهر في الطبع وسريان الاستبدال ، وتحتاج لجهاز فني كبير في البنك المركزي وما يرتبط به من مصارف ومؤسسات ، ومن المؤكد إن لها تكاليف ترتبط بالجدوى والمردودات .
وعملية تبديل العملة ليست غريبة ، وإنما معمول بها في العديد من البلدان ، وتركيا من دول المنطقة التي قامت بالتغيير المقترن بحذف الاصفار ، ولكن السائد بان مثل هذه العمليات تجري في الدول التي لها تضخم كبير بعملاتها الوطنية قياسا بأسعار الصرف مقابل العملات الأجنبية ومنها الدولار ، وإيران وسوريا قد يفيدها مثل هذا التغيير ، لان الاصفار عندهم تسبب إرباكا في الحسابات وفي التعامل اليومي والحجم لدى الناس والمؤسسات ، وبلدنا لم يشهد طفرة في التضخم المالي ، إذ لايزال الموضوع مسيطر عليه لحد ما ، بفضل ما يدخل البلد من مبيعات النفط بالدولار ، وحسب البيانات الرسمية فان التضخم بحدوده المعقولة وان كانت يرهق البعض ، ورغم الظروف الأمنية والسياسية التي تشهدها المنطقة التي سببت انخفاض صادرات النفط ، فان معدل التضخم ( حسب البيانات ) لايزال بحدوده التي لم تزيد عن ( 5% ) ، ورغم كل ما نقول فان من المؤكد أن يكون لمتخذي القرار مسوغات مقنعة وكافية للتبديل ، إن تحول الموضوع لقرار بالفعل .
والناس يستبقون الأحداث ويطرحون عددا من الأمور ، أولها إن التغيير ( بضوء الأقوال ) ، سينمي الرغبة لدى مكتنزي الأموال ( حلالا أم حرام ) ، للإسراع في تحويل سيولتهم النقدية إلى الدولار او الذهب او العقارات او النفائس ، وكل ذلك سيولد طلبا يرفع الأسعار ، وربما ينعكس ذلك على معيشة الناس سيما وان الدولرة سائدة في الأسواق ، ولا تزال أسعار الدولار الموازي ( السوداء ) 1540 دينار ، وهي أعلى من السعر الرسمي 1320 منذ سنوات ، ثانيا ما هي الضمانات بان تتحصل الدولة على الأموال المخفية دون يسارع أصحابها ومن هم من عتاة الفساد او المرتبطين بهم لتحريرها بطريفة ما ، وثالثا أن التغيير وان كان لا يؤثر على الملكيات ، لكنه قد يترك شعورا بضآلة المردود عند بعض الفئات ، وهي مسالة نفسية ومن المحتمل أن تصيب من يقبض راتب الرعاية الذي سيتحول إلى 170 دينار او راتب العامل بحده الأدنى الذي يبلغ 350 دينار بعد حذف الاصفار ، رابعا إن بعض الفقرات ستتأثر اعتباريا من التغيير ومنها مثلا ، السعر الاسمي لإصدار السهم في العراق الذي هو دينار واحد وستكون قيمته ( فلس ) .
والخلاصة ، إن قرارا من هذا النوع يتطلب التمعن والمراجعة والتحليل ، من حيث التكلفة والجدوى والمردود والأثر على الاقتصاد الوطني الذي يعاني الركود ، وعلى قبول المواطن ، ومن الضروري جدا التحسب المبكر لما يتوقع من عمليات غسيل الأموال ، وتداعياتها على العرض والطلب دون إهمال الأبعاد المعنوية والنفسية للمتداولين بالنقد ، نقول كل ذلك إن كان الخبر يقينا او توقعات ، دون إهمال الطريقة الأفضل للصياد .