الأمانات ( التأمينات ) من مشهيات ومغريات للفساد
كتب / د باسل عباس خضير …
الأمانات ، حساب وسيط مؤقت ( دائن ) يستخدم ضمن الأنظمة المحاسبية لتسجيل المبالغ النقدية او البنكية التي تستلمها الوحدة الحسابية بهيئة تأمينات كضمانات وهي ليست من الإيرادات ، وتشكل التزامات واجبة الإرجاع أو تسليمها لجهة أخرى بانتهاء الغرض ، والأمانات من الأدوات المالية التي أوجدها القانون لتسهيل إدارة الأموال و التي لا تعد إيرادا نهائيا ، وهي واجبة الاحتفاظ بها ( مؤقتا ) إلى حين استكمال الإجراءات المالية أو الإدارية الخاصة بها ، وتستخدم بشكل واسع في مجال ( المقاولات ، الضرائب ، الكمارك ، الحجز القضائي ، التبرعات ، غيرها ) ، ولها استخدامات حتى في المعاملات البسيطة ، عند قبول الطلبة في الكليات لضمان استرجاع ما عليهم من ذمم على أن تسترجع لهم كاملة او منقوص منها الغرامات بعد التخرج ، كما تستخدمها الدوائر في خدمات الماء والكهرباء وإجازات البناء ، ورغم إنها وجدت كحساب وسيط ومؤقت لتحقيق المرونة في الإدارة المالية ، إلا أن التطبيق العملي يكشف عن تحولها في كثير من الحالات ، إلى مقبرة ومنافذ تهدر من خلالها الأموال ، ففي العديد من مؤسسات الدولة تفتح حسابات أمانات لمختلف الأغراض ، ثم تبقى الأموال فيها لسنوات طويلة عند انتفاء أسباب الاحتفاظ بها دون تسوية بإعادتها إلى مستحقيها أو تحويلها إلى إيراد نهائي ، ويؤدي هذا الواقع إلى تراكم مليارات او تريليونات الدنانير خارج الاستخدام الأمثل للأموال ، فضلاً عن صعوبة تتبعها ومساءلة المسؤولين عن إدارتها ، وتزداد خطورة المشكلة عندما تستخدمها بعض الإدارات إلى وسيلة ، أما لتجاوز أحكام الموازنة العامة بالإنفاق خارج التخصيصات أو لاستغلال سيولتها للصرف خارج السياقات .
وأسباب بقاء الأمانات بدون معالجة او استرجاع عديدة منها : أولها وأبرزها البيروقراطية المفرطة التي تستخدمها المؤسسات والتي تؤدي إلى صعوبة استرجاع الأمانات كاملة او بعد خصم الغرامات تحت مسمى الحفاظ على المال العام ، وثانيها عدم إقدام او عزوف البعض من أصحاب الأمانات على استرجاع حقوقهم ، شعورا منهم إنها صعبة الاسترجاع من خلال التجربة او من خلال ما يشاع ، وثالثها تعمد بعض الإدارات بتراكمها و تأخير استرجاعها لأصحابها لاستخدام مبالغها لسد عجز تشغيلي او نقص في السيولة النقدية ، ورابعها وجود إدارات ليست لديها الخبرة والكفاءة والخبرة في ممارسة الأعمال في مجال الرقابة عليها وربما لا تعلم بماهيتها ، فهناك إدارات لم يتم إعدادها إداريا ومحاسبيا بما يسهل للبعض تمرير معاملات التلاعب يالامانات ، وهناك البعض من ( ضعاف النفوس ) يعتقدون إن الفساد في الأمانات لا يضر المال العام لأنها ليست من الإيرادات وتعود لمستحقين غير مكترثين و لم يبدون رغبتهم يوما في إعادة الأمانات ، و التأخر المزمن في إعداد وتدقيق وإقرار الحسابات الختامية للدولة علاقة بالموضوع ، فالحسابات الختامية الوسيلة القانونية التي تكشف حقيقة تنفيذ الموازنة ، وتبين مصير الأموال العامة ومنها أرصدة الأمانات ، وكلما طال أمد إنجازها ضعفت الرقابة وتأخرت المحاسبة وضعفت فرص اكتشاف المخالفات .
ورغم إن فضيحة ( سرقة القرن ) المشهورة ، التي اغتصبت من خلالها تريليونات الدنانير وملايين الدولارات ولدت من رحم حساب الأمانات في الضريبة والكمارك ، وكان من المفروض أن تشكل صدمة للإدارة المالية والإدارات التنفيذية لتتحول إلى بداية النهاية لهذا الموضوع المهم ، إلا إن الأمانات لا تزال عرضة للاختراق بشكل لا يحمل كثيرا من التعقيد ، عندما تجتمع عناصر وأفراد في تحويل الأموال من حسابات الأمانات إلى هذا او ذاك ، و معالجة هذا الملف لا تحتاج إلى ( عبقرية ) و تشريعات جديدة بقدر حاجتها إلى إرادة إدارية ورقابية حازمة ، تبدأ بإجراء جرد شامل لجميع حسابات الأمانات في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات ، مع بيان ( أسباب فتحها ، أرصدتها ، مدد بقائها ، الجهات المستفيدة ، أصحابها ) ، كما ينبغي إلزام جميع الوحدات الحسابية بإجراء تسويات دورية لها ، وتحويل الأموال التي انتهت مبررات الاحتفاظ بها إلى مردود او إيراد ، وربط جميع حسابات الأمانات إلكترونيا بوزارة المالية وديوان الرقابة المالية الاتحادي ، بما يتيح الرقابة اللحظية ويمنع إساءة استخدامها ، ومن المفيد أيضا أن يتضمن قانون الموازنة العامة أو التعليمات المالية نصوصا تحدد الحد الأقصى لمدة بقاء الأموال في حسابات الأمانات ، مع تشديد المسؤولية القانونية والإدارية على كل من يتسبب في تعطيل تسويتها دون مبرر مشروع .
إن إصلاح ملف حسابات الأمانات لا يمثل إجراءا محاسبيا فحسب ، بل هو خطوة مهمة في مسار حماية المال العام وحماية حقوق الآخرين أفرادا وشركات ، ويعد ضروريا لتعزيز الشفافية واستعادة ثقة المواطنين بالأجهزة الإدارية على العموم ، فكل دينار يبقى معلقًا ( أمانة ) دون مبرر هو مال معطل ، وكل حساب لا يخضع للرقابة الفاعلة هو موضع شبهات و قد يتحول إلى منفذ جديد من منافذ الفساد ، ويجب توجيه الإدارات على رقابة ومتابعة ومعالجة حسابات الأمانات ، ومن الضرورات تسريع إنجاز الحسابات الختامية وإجراء المطابقات الدورية لحسابات الأمانات ، وإلزام الجهات الحكومية بمتابعة ودعوة أصحاب الاستحقاقات لتسوية أماناتهم لكي يغلق أحد المنافذ التي يتسلل منها الفساد ، وتاخر الحسابات الختامية للدولة دون إقرار منذ عام 2013 ، وبقاء البلد بدون موازنة اتحادية لسنوات ومنها هذا العام ( 2026 ) ، ربما ينمي الرغبة لبقاء الأمانات والتأمينات كلقمة سائغة ومن مغريات ومشهيات الفساد .