سياسة تصفير المشاكل والأزمات..!
كتب / محمد الكعبي…
إنَّ الحياة الدنيا قائمة بطبيعتها على وجود الأزمات والمشكلات والانقسامات؛ لأن الإنسان يعيش في بيئة تتعدد فيها المصالح، وتتنوع الثقافات، وتتباين الأفكار والقيم، مما يفضي إلى حالة من التنافس، وقد يتحول هذا التنافس إلى صراع إذا غابت الضوابط الأخلاقية، والعدالة، وسيادة القانون.
ولذلك يسعى الإنسان العاقل إلى بناء حصانة شخصية ومجتمعية تحميه من آثار هذه الأزمات، من خلال ترسيخ الإيمان، والتحلي بالحكمة، واكتساب العلم، وتنمية مهارات الحوار، والتخطيط السليم، والصبر عند الشدائد، فالحصانة الحقيقية لا تعني الهروب من المشكلات، وإنما امتلاك القدرة على إدارتها، والحد من آثارها، وتحويلها إلى فرص للإصلاح والنمو.
ومن المنظور الإسلامي، فإن الابتلاء سنة إلهية ماضية، قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 155].
وعليه، فإن بناء الحصانة الفكرية والإيمانية والأخلاقية، وترسيخ سيادة القانون، من أهم الوسائل التي تمكّن الإنسان من مواجهة الأزمات والتعامل معها بوعي واتزان، بدلا من الاستسلام لها أو الانقسام بسببها.
أما على مستوى الدول والمجتمعات، فإن الأزمات الكبرى التي تعصف بالحكومات والشعوب تحتاج إلى رؤى استراتيجية وبرامج متكاملة تختلف عن معالجة المشكلات المحدودة داخل الأسرة أو المؤسسة، ومن هنا تبرز مسؤولية صانع القرار في انتهاج سياسة تصفير المشاكل والأزمات، وهي منهج وقائي وإصلاحي يهدف إلى تقليل أسباب النزاعات قبل تفاقمها، ومعالجة المشكلات القائمة بالحوار والعدل والتخطيط وتسييد القانون، بما يحقق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة.
ولا يعني هذا المفهوم أن المجتمع سيخلو تماما من المشكلات، فذلك يتعارض مع طبيعة الحياة البشرية، وإنما يعني السعي الجاد إلى خفضها إلى أدنى مستوى ممكن، وتقليل آثارها السلبية عند وقوعها.
أسس سياسة تصفير المشاكل والأزمات
أولًا: الوقاية قبل العلاج
وذلك برصد أسباب الأزمات مبكرا، ومعالجة جذورها قبل أن تتحول إلى نزاعات يصعب احتواؤها.
ثانيًا: الحوار والتفاهم
فالحوار الهادئ، والاستماع المتبادل، واحترام الرأي الآخر، من أهم وسائل احتواء الخلافات ومنع التصعيد.
ثالثًا: العدالة وسيادة القانون
فالعدل هو الضامن الحقيقي للاستقرار، إذ يحفظ الحقوق، ويمنع الظلم، ويغلق أبواب النزاع والانتقام والفساد.
رابعا: التخطيط الاستراتيجي
ويكون بوضع خطط استباقية لإدارة المخاطر والأزمات، والاستعداد للتعامل معها قبل وقوعها.
خامسا: المراجعة والتقويم المستمر
من خلال تقييم التجارب السابقة، واستخلاص الدروس، وتطوير آليات العمل؛ لمنع تكرار الأخطاء.
تطبيقات عملية
داخل الأسرة: معالجة الخلافات بالحوار، والاحترام المتبادل، والعدل بين أفراد الأسرة.
في المؤسسات: اعتماد الشفافية، والحوكمة الرشيدة، وسرعة معالجة المشكلات الإدارية.
في المجتمع: نشر ثقافة التسامح، وتعزيز الحوار، واحترام القانون.
على مستوى الدولة: مكافحة الفساد، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وإدارة الأزمات وفق أساليب علمية، وتعزيز المشاركة المجتمعية في صنع القرار وبسط هيبة الدولة والحفاظ على سيادتها وتوحيد قرارها ومحاربة الفساد والمحاصصة والمحسوبية والبيروقراطية بشكل جدي وسريع وبلا تهاون وعلى الحكومات ان تفعل الدور الرقابي والمحاسبة السريعة لكل مظاهر الفساد وخصوصا عدم التهاون في حقوق المجتمع وعدم السماح لاستغلال النفوذ والحصانة ومحاسبة جميع الطبقات وفق القانون بشكل يستشعر المواطن انه يعيش في دولة تحترم نفسها وشعبها.
إن سياسة تصفير المشاكل والأزمات ليست شعارا مثاليا، بل هي منهج حضاري وإداري يقوم على الوقاية، والعدل، والحوار، والإصلاح المستمر، وكلما نجح الأفراد والمؤسسات والدول في إزالة أسباب النزاع، ومعالجة المشكلات بالقانون و بالحكمة والشفافية ، ازداد الأمن والاستقرار، وتوافرت بيئة صالحة للتنمية والازدهار، وهو ما ينسجم مع مقاصد الشريعة الإسلامية في حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعِرض، وبناء مجتمع متماسك تسوده الرحمة والعدل.
وختاما، فإن أخطر ما يهدد سياسة تصفير الأزمات هو التساهل والمحسوبية مع الفساد؛ لأن الفساد إذا تُرك بلا محاسبة تمدد في مؤسسات الدولة والمجتمع، حتى يصبح ثقافةً وسلوكا عاما، فهو كالداء المعدي، يبدأ بحالات محدودة ثم ينتشر، ولا يلبث أن يفضي إلى خراب العباد والبلاد. لذلك فإن المساءلة العادلة، وتطبيق القانون على الجميع، هما خط الدفاع الأول في الوقاية من الأزمات وصناعة الاستقرار(ان النافذة المكسورة باب للفرهود).