شيعة العراق بين مشروع الدولة المؤجل واستعجال النتائج..!
كتب / عبد الجبار الجزائري
واجه الفكر السياسي الشيعي، ولا يزال، سؤالًا معقدًا: هل الغاية هي إقامة الدولة العادلة التي تجسد قيم العدالة والكرامة وسيادة القانون، أم يكفي أن يتولى الحكم أشخاص ينتمون إلى المذهب الشيعي، حتى وإن لم تتحقق تلك القيم؟
لقد ارتبطت فكرة الدولة في الوعي الشيعي، منذ نشأته، بمشروع أخلاقي وسياسي كبير، بلغ ذروته في نموذج الإمام المعصوم بوصفه الحاكم الذي يجمع بين الشرعية والعدالة والكفاءة. ومع غيبة الإمام، بقي هذا النموذج حاضرًا باعتباره أفقًا يُهتدى به، لا مجرد شعار يُرفع، فكانت الدولة العادلة مشروعًا مؤجلًا، لا مشروعًا متخلىً عنه.
غير أن التجربة السياسية المعاصرة أفرزت اتجاهًا آخر، يقوم على استعجال النتائج، والقبول بأي صيغة للحكم ما دامت تمنح الشيعة سلطة سياسية، وتحفظ لهم حرية ممارسة شعائرهم، حتى وإن شابها الفساد، وضعفت فيها المؤسسات، وغابت عنها العدالة.
ومن هنا يبرز الفارق الجوهري بين مشروع الدولة ومشروع السلطة. فمشروع الدولة يسعى إلى بناء مؤسسات عادلة تحمي جميع المواطنين، وتخضع للقانون، وتُدار بالكفاءة والنزاهة، بينما يكتفي مشروع السلطة بالسيطرة على الحكم، ويعدّ بقاء الحاكم الشيعي مكسبًا بحد ذاته، بصرف النظر عن طبيعة أدائه أو مقدار العدالة التي يحققها.
إن اختزال القضية الشيعية في مجرد الوصول إلى السلطة يفرغها من مضمونها الحضاري والأخلاقي. فالتشيع لم يكن يومًا مجرد دفاع عن هوية مذهبية، بل كان مشروعًا للإصلاح، وإقامة العدل، ومقاومة الظلم. ولذلك فإن نجاح أي تجربة سياسية لا يقاس بانتماء الحكام المذهبي، وإنما بقدرتهم على تجسيد قيم العدالة، وصيانة الحقوق، وبناء دولة تحترم الإنسان.
وتبقى تجربة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام أوضح تجسيد لهذا المشروع. فلم يكن همه مجرد الوصول إلى السلطة أو الاحتفاظ بها، بل إقامة العدل ولو كان ثمن ذلك خسارة النفوذ أو انفضاض الأنصار. ولذلك رفض المساومة على المبادئ، ولم يقبل الإبقاء على الولاة الذين اشتهروا بالفساد من أجل ضمان الاستقرار السياسي، كما لم يجعل الولاء الشخصي أو القبلي أو حتى الديني بديلًا عن الكفاءة والعدالة.
وقد لخّص الإمام فلسفته في الحكم بقوله: «إن أفضل قرة عين الولاة استقامة العدل في البلاد وظهور مودة الرعية»، كما أوصى مالك الأشتر بأن يكون الناس جميعًا موضع عدله ورعايته، بقوله: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية… فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق». وهاتان الكلمتان تختصران مفهوم الدولة في الفكر العلوي؛ دولة يكون معيارها العدل، لا الهوية، والإنصاف، لا الغلبة.
إن التحدي الحقيقي أمام الشيعة اليوم ليس مجرد الاحتفاظ بالسلطة، بل استعادة مشروع الدولة العادلة الذي يجعل من الحكم وسيلةً لإقامة الحق، لا غايةً بحد ذاته، ويجعل من العدالة أساس الشرعية، لا مجرد الانتماء المذهبي. فالدولة التي أرادها الإمام علي هي دولة القيم والمؤسسات والحقوق، لا دولة الطائفة أو الغلبة.
وإذا كان الشيعة قد نجحوا في الوصول إلى السلطة بعد عقود طويلة من الإقصاء، فإن التحدي الأكبر يبقى في الانتقال من حكم الشيعة إلى الحكم بروح علي بن أبي طالب؛ فذلك هو الفارق بين امتلاك السلطة، وبين بناء الدولة، وبين الانتصار السياسي، وتحقيق الرسالة الحضارية التي حملها التشيع منذ بداياته.