سيادة المعلومة
كتب / نرمين المفتي
في المشهد الإعلامي السياسي المعاصر، لم يعد الخبر مجرد نقل محايد لواقعة أمنية أو قرار حكومي، بل هو أصل حيوي من أصول “السيادة الوطنية”. والخبر السيادي، هو الخبر الذي يتعلق بممارسة الدولة لسيادتها ومؤسساتها العليا، أو القرارات والمواقف التي تمس الأمن القومي، بوصفها خط الدفاع الأول عن هيبة الدولة ومؤسساتها المركزية.
إلا أن الأزمة الحقيقية تتجلى حين يفقد الإعلام الرسمي المتمثل بوكالات الأنباء الوطنية، خط الأسبقية لصالح فضائيات إقليمية وخارجية تحظى بـ “الانفراد” وتدير دفة الصياغة والتأطير قبل أن تنطق الدولة بكلمتها الأولى.
تتصف الأخبار السيادية بطبيعة خاصة تحتم صدورها من أعلى هرم السلطة، سواء عبر الناطق الرسمي باسم الحكومة أو المكاتب الإعلامية للرئاسات والقيادات العسكرية العليا. وحين يتعلق الأمر بضبط خلية بحوزتها وسائل هجومية أو طائرات مسيرة، فإننا نكون أمام خبر أمني وسيادي بامتياز، يمس مباشرة سيادة الأجواء والأمن القومي، ويمتد بتأثيراته إلى العلاقات الإقليمية والدولية. بيد أن الإشكالية الملموسة تكمن في ظاهرة انفراد قنوات فضائية خارجية بنشر هذه المعطيات الحساسة قبل بثها عبر وكالة الأنباء العراقية الرسمية (واع).
إن انفراد وسيلة إعلام خارجية بنشر الخبر قبل إعلانه رسمياً لا يتوقف عند حدود “السبق الصحفي”، بل يتعداه إلى إحداث تشويش متعمد وإرباك للرأي العام. فكل وسيلة إعلام تنطلق من أيدولوجية وأجندة سياسية خاصة؛ إذ تبدأ بنقل الخبر في شكله المجرد، ثم سرعان ما تشرع في توجيهه ونشره نحو مسارات تخدم مصالحها ومواقفها التحريرية عبر استضافة ضيوف ومحللين، تختارهم هيئة تحرير نشرة الاخبار او البرنامج السياسي بعناية لإضفاء قراءات موجهة، فضلا عن الضيف العراقي، وتحميل الواقعة دلالات أبعد من حجمها الميداني أو حرف مسارها الأصلي.
وفي هذا السياق، يسقط الادعاء بأن بطء البيروقراطية أو التعقيدات الإدارية هي السبب في تأخر الإعلام الرسمي؛ فالخبر السيادي لا يخضع لروتين إداري، بل يصدر عادة جاهزاً ومباشراً من الناطق الرسمي أو المكتب الإعلامي للمناصب السيادية. ومن ثم، فإن وصول هذه المعلومات الحساسة إلى الفضائيات الخارجية قبل المنصة الوطنية يضعنا امام علامة استفهام وليس تعجب وكيفية تسريب الخبر المهم جدا والسيادي في الوقت نفسه على حساب المرجعية الوطنية، يشكل خللاً صريحاً في حفظ سرية الأخبار السيادية واحترام المؤسسة الرسمية.
إن المعالجة الجذرية لهذه الأزمة تستوجب قرارات ملزمة وضوابط صارمة داخل المؤسسات الحكومية والأمنية تمنع التسريب المنفرد وتفرض القناة الوطنية كممر إجباري وأول للمعلومة السيادية، ان كان هكذا خبر مسموحا للنشر.. ويتطلب هذا الانضباط المفهومي إرساء بروتوكول إعلامي ملزم لكافة المسؤولين والمتحدثين باسم الدولة، يضع الاولوية للمنصة الوطنية فوق أي حسابات إعلامية شخصية.
إن حماية الرواية الوطنية تبدأ من إغلاق ثغرات التسريب وإلزام الجهات المعنية بضخ البيانات السيادية في شرايين الإعلام الوطني أولاً، لضمان ضبط بوصلة الشارع وحماية الخطاب الإعلامي الرسمي من الاستقطاب أو التوظيف السياسي الخارجي.
ولا تقتصر إشكالية تسريب الأخبار السيادية والأمنية على المشهد المحلي، بل تُعدّ ظاهرة عالمية تؤرق أكبر الأنظمة السياسية وتستدعي إجراءات رادعة لحماية الأمن القومي. ولعل من أبرز الأمثلة الدالة على ذلك ما شهدته الولايات المتحدة مؤخرا عند تسريب وثائق استخباراتية عالية السرية تتصل بالدفاع الجوي والصواريخ وتقديرات العمليات العسكرية، وهي الواقعة التي أثارت غضباً عارماً في البيت الأبيض ودعت الرئيس دونالد ترامب إلى التنديد بتلك التسريبات وفتح تحقيقات موسعة لملاحقة المسؤولين عنها.
إن تجارب الدول تؤكد أن الثغرات الإعلامية وتسريب المعطيات السيادية يمثلان تهديداً مستمراً لسيادة المعلومة، مما يدفع الحكومات إلى صياغة أطر قانونية وأمنية صارمة تضمن عدم انزلاق الوثائق والبيانات الحساسة إلى العلن قبل أوانها أو خارج قنواتها الرسمية.يترتب على هذا النمط من التعامل انعكاسات خطيرة تمس مفهوم “الأمن الإعلامي”.
إن غياب أو تأخر الخبر عن واجهته الوطنية الرسمية يولد فراغاً معلوماتياً تُشغله التكهنات وأجندات التغطية الخارجية. كما أن تكرار هذا المشهد يؤدي إلى تآكل الثقة بين المتلقي والمؤسسة الخبرية الوطنية؛ فحين يعتاد المواطن والباحث وصانع القرار على استقاء أخبار بلاده السيادية من شاشات عابرة للحدود، تُفرغ منصات الدولة الرسمية من مضمونها، وتحول المؤسسة الوطنية من موقع “صانع الموقف والناطق المباشر” إلى موضع “رد الفعل” المتأخر أو الاكتفاء بالتدقيق والنفي.إن حماية السيادة الوطنية لا تقتصر على الجهد الميداني والأمني في ضبط الخلايا والسلاح، بل تتكامل بالضرورة مع “سيادة المعلومة”.