edition
Almaalouma
  • أخبار
  • مقالات
  • إنفوجرافيك
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  • الذكاء الاصطناعي
  1. Home
  2. مقالات
  3. رائحة المال الحرام… لا تخفيها القصور
رائحة المال الحرام… لا تخفيها القصور
مقالات

رائحة المال الحرام… لا تخفيها القصور

  • Today 15:31

كتب / الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي

ليست الثروة وحدها ما يكشف الإنسان، وإنما الطريقة التي وصل بها إليها، وما تركته في نفسه من أثر. فقد يختبئ الفساد خلف منصب، ويتوارى خلف وجاهة، ويتزين بمظاهر الثراء، ويستعين بأصحاب النفوذ ليوهم الناس بأن ما بين يديه ثمرة استحقاق. لكن المظاهر، مهما ارتفعت، لا تستطيع أن تمحو الحقيقة، والمال حين يكون وليدًا للظلم لا يفقد أثر الجريمة بمجرد أن ينتقل إلى القصور.
المال الحرام قمامة، ولكنها ليست كأي قمامة؛ فهي قمامة تحمل في داخلها رائحة الجريمة، وتترك وراءها أثرًا من الظلم، وتنتشر رائحتها كلما اتسعت دائرة الفساد. وإذا كان المال المسروق مالًا عامًا، فهنا تصبح القمامة أشد قذارة، لأن السارق لم يمد يده إلى مال فرد واحد، وإنما مدها إلى أموال الناس جميعًا؛ إلى قوت الفقير، ودواء المريض، ومدرسة الطفل، وطريق المواطن، وخدمة المدينة، وإلى حق أجيال لم تولد بعد.
فالمال العام ليس غنيمة مباحة، وليس مالًا بلا صاحب، كما يحاول بعض الفاسدين أن يوهموا أنفسهم والناس. المال العام هو مال المجتمع، وكل دينار يُختلس منه هو حق يُنتزع من صاحبه الحقيقي، وإن لم يُعرف صاحبه باسمه. ولذلك فإن سرقة المال العام ليست مجرد مخالفة مالية، بل اعتداء على مجتمع بأكمله، وتحويل للحق العام إلى ثروة خاصة في جيوب من لا يستحقونها.
والأقذر من المال الحرام هو من يعتاش عليه، ويحوّل سرقته إلى نمط حياة، ثم يتعامل معها وكأنها نجاح شخصي، أو ذكاء سياسي، أو ثمرة نفوذ مشروع. هؤلاء لا يملكون من المال شيئًا بالمعنى الأخلاقي؛ إنما يحملون قمامته، وتلتصق بهم رائحته، مهما حاولوا إخفاءها خلف السيارات الفارهة، والمناصب الرفيعة، والقصور، والحمايات، والواجهات الاجتماعية.
وهؤلاء، مع مرور الوقت، لا تكتفي أفعالهم بتلويث المال العام، بل يبدو أن الفساد قد أعاد تشكيل ملامحهم من الداخل حتى انعكس على وجوههم وسلوكهم وخطابهم؛ فتراهم وكأنهم نسخ متشابهة من صورة واحدة، تتكرر فيها الملامح نفسها، والعبارات نفسها، والتبريرات نفسها. يكذبون، ثم ينسون أنهم كذبوا، ويقدمون الرواية اليوم بعكس ما قالوه بالأمس، ثم يتحدثون غدًا بثقة من لم يقل شيئًا. حتى أصبحت الحقيقة عندهم مجرد مادة قابلة لإعادة الصياغة كلما اقتضت مصلحة الفساد ذلك.
ومن شدة ما تشابهت وجوه الفساد وألسنته وأساليبه، بات المجتمع يرى في بعضهم صورة تكاد تكون رمزية للشيطان حين يتجسد في سلوك الإنسان؛ لا لأن للشيطان وجهًا نعرفه، وإنما لأن الإنسان حين يصر على الظلم والكذب والخداع ونهب حقوق الناس، ثم يبرر ذلك بلسانه، ويدافع عنه بنفوذه، ويستمر فيه دون خوف أو ندم، فإنه يهبط بأخلاقه إلى صورة لا تليق بالإنسان. وما أشد قسوة أن يتحول الفاسد من شخص ارتكب الجريمة إلى نموذج يتكرر، حتى يبدو الفساد وكأنه ينتج نسخًا متشابهة من البشر.
وفي عالم الطبيعة، لا تحتاج القمامة إلى من يدعو الذباب إليها؛ يكفي أن تتراكم حتى تأتي أسراب الذباب من تلقاء نفسها. وكذلك المال الحرام؛ حين يتراكم في بيئة فاسدة، فإنه يجذب كل من اعتاد التغذي على العفن، وكل من يرى في المال العام فرصة للنهب لا أمانة للحفظ. وهكذا يتحول الفساد من حادثة فردية إلى منظومة، ومن سارق إلى شبكة، ومن جريمة إلى ثقافة، ومن استثناء إلى قاعدة.
ولهذا فإن سراق المال العام، مهما اختلفت مواقعهم وألقابهم، ليسوا في حقيقتهم سوى ذباب يحوم حول قمامة صنعوها بأيديهم، ويتكاثرون حيث تتراكم الأموال القذرة، ثم يظنون أن كثرتهم تمنحهم شرعية. والحقيقة أن كثرة الذباب لا تجعل القمامة نظيفة، كما أن كثرة الفاسدين لا تجعل الفساد حقًا، ولا تجعل المال المسروق حلالًا، ولا تمنح السارق شرفًا مهما ارتفع منصبه.
لقد فاحت رائحة الفساد حتى لم تعد تحتاج إلى دليل يعلن عنها؛ صارت تُشم من بعيد، ويعرفها القاصي والداني، ولا يكاد بلد أو مجتمع أو مؤسسة إلا ويدرك أن وراء تراكم الأزمات أبوابًا فُتحت للمال الحرام، وأن وراء كثير من مظاهر الخراب أيدي لم تتردد في تحويل المال العام إلى ثروة خاصة.
لكن المشكلة الأخطر ليست في السارق وحده، وإنما في البيئة التي تسمح له بالبقاء. فالسارق قد يمد يده مرة، لكن حين لا يجد من يقطعها، تصبح اليد أكثر جرأة، وحين لا يجد قانونًا يحاسبه، يتحول الفساد إلى مهنة. وحين يرى الناس أن المال الحرام يرفع صاحبه بدل أن يسقطه، تصبح الرسالة الأخلاقية للمجتمع في خطر. فالمجتمع الذي يرى الفاسد يزداد نفوذًا كلما ازداد فسادًا، قد يصل به الأمر إلى مرحلة يصبح فيها الفساد طريقًا للترقي، والنزاهة طريقًا للعزلة.
 والدولة التي لا تحمي مالها العام إنما تفتح أبوابها أمام الذباب؛ وكلما تُركت القمامة تتراكم، تكاثر الذباب، واتسعت المستنقعات، وأصبح تنظيف المكان أكثر صعوبة. لذلك فإن مكافحة الفساد ليست حملة إعلامية، ولا شعارات تُرفع في المناسبات، وإنما تبدأ من استعادة هيبة القانون، ومحاسبة السارق، واسترداد المال، ومنع الفاسد من تحويل ما سرقه إلى نفوذ يحمي به ما سرق.
فالمال الحرام لا يصبح نظيفًا لأنه أُنفق في بناء قصر، ولا يصبح مشروعًا لأنه اشترى منصبًا، ولا يتحول إلى حلال لأنه ارتدى ثوب السياسة أو الدين أو الوجاهة الاجتماعية. المال المسروق يبقى مسروقًا، ورائحة القمامة لا تزول بالعطور، وإنما بإزالة مصدرها.
وإذا كان المال العام هو مال الناس، فإن سرقته ليست سرقة لخزينة صامتة، بل سرقة من مستقبل وطن. كل دينار يُسرق اليوم قد يتحول غدًا إلى مستشفى لم يُبنَ، ومدرسة لم تُشيّد، وطريق لم يُعبّد، وفرصة عمل لم تُخلق، ودواء لم يصل إلى مريض، وخدمة حُرم منها إنسان لا ذنب له سوى أنه وُلد في بلد اختار بعض أبنائه أن يتغذوا على قمامته.
وفي النهاية، قد يستطيع الفاسد أن يخفي رقمًا، أو يمحو وثيقة، أو يغيّر اسمًا، أو يشتري ذمة، لكنه لن يستطيع أن يجعل القمامة وردًا، ولن يستطيع أن يمنع رائحتها من الوصول إلى الناس. فالمال الحرام يترك أثره، والفساد يفضح أصحابه، والتاريخ لا يتذكر السارق بما جمعه، وإنما بما تركه خلفه من خراب.
إن المال العام أمانة، ومن يحوله إلى غنيمة لا يصبح ثريًا، بل يصبح أكثر التصاقًا بالقمامة التي اختارها لنفسه. أما الوطن، فلا يحتاج إلى مزيد من الذباب حول أكوام الفساد؛ إنه يحتاج إلى من يرفع القمامة، ويغلق أبوابها، ويعيد المال إلى أهله، ويجعل القانون فوق السارق والمسروق منه، حتى لا يصبح الفساد بيئة يتكاثر فيها الذباب، ثم يطالبنا بعد ذلك بأن نصدق أن رائحته عطر.

الأكثر متابعة

All
تحرك نيابي لحسم ملفات الفساد في وزارة الصحة ومحاسبة المتورطين

تحرك نيابي لحسم ملفات الفساد في وزارة الصحة ومحاسبة...

  • محلي
  • 18 Aug
المالية وديوان الرقابة يتفقان على تعزيز الإيرادات غير النفطية عبر تسريع التحاسب الضريبي

المالية وديوان الرقابة يتفقان على تعزيز الإيرادات...

  • محلي
  • 17 Aug
ارتفاع نسبة الاطلاقات المائية لبحيرة الحبانية

ارتفاع نسبة الاطلاقات المائية لبحيرة الحبانية

  • محلي
  • 17 Aug
بالوثيقة.. مقترح لتحويل ملف الإعاشة في وزارة الصحة إلى بدل نقدي يُصرف مباشرة للمشمولين

بالوثيقة.. مقترح لتحويل ملف الإعاشة في وزارة الصحة...

  • محلي
  • 17 Aug
سر سرقات الجميلي
مقالات

سر سرقات الجميلي

تعديل قانون التعليم الاهلي: بين طموحات الاصلاح ومخاطر التسليع التجاري
مقالات

تعديل قانون التعليم الاهلي: بين طموحات الاصلاح ومخاطر التسليع...

رائحة المال الحرام… لا تخفيها القصور
مقالات

رائحة المال الحرام… لا تخفيها القصور

المقاومة التي نريدها والعراق الذي نريده !!
مقالات

المقاومة التي نريدها والعراق الذي نريده !!

Almaalouma

المعلومة: وكالة اخبارية عامة مستقلة، تتميز بالجرأة والموضوعية والمهنية والتوازن،شعارها، خبر ﻻ يحتاج توثيقا، لدقة وتنوع مصادرها الخاصة وانتشار شبكة مراسليها

الأقسام

  • أخبار
  • مقالات وكتاب
  • فيديوهات
  • كاريكاتير
  • تقارير
  • ترجمة
  • منوعات
  • انفوكرافيك

روابط مهمة

  • سياسة الخصوصية
  • من نحن
  • اتصل بنا

تابعونا