ما هي دوافع تزايد الدعوات لهجرة الشباب ، ومن يقف خلفها من جهات ؟!
كتب / د.باسل عباس خضير ..
يتزايد هذه الأيام نشر الرسائل الإعلامية الداعية لهجرة شبابنا إلى خارج البلاد ، ويتم ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي وأبرزها قنوات You Tube ، وتشترك اغلبها بذات الأسلوب في العرض والتقديم ، من خلال قيام بعض العراقيين المهاجرين ممن حصلوا على الإقامة الدائمة او الجنسيات ، برواية قصصهم من لحظة خروجهم من العراق لحين استقرارهم بلد المهجر ، وظهورهم ليس عفويا وإنما بهيئة ( فلوك ) محضر له بإتقان ، وحرفية تنم عن بذل جهود في الإعداد والتنفيذ وفي جودة الظهور ، وبعضهم يكتفي بمنشور واحد ، وآخرون يقومون بإنتاج سلسلة من المقاطع التي تحتوي درجة معقولة من الشد والتشويق ، وتتراوح فترة البث بين 15 30 دقيقة مما يعطي الانطباع بأنها بإخراج لا يخلو من الإبداع .
واغلبها او جميعها ، تروي حكاية خروجهم مسوغة بعدة أسباب ، فالبعض يقولون أنهم من ( ثوار ) تشرين الذين تعرضوا لضغوطات ، والبعض يرمي الأسباب إلى الطائفية ، وهناك من يرمي الكرة في ساحة الأحداث التي مرت بها البلاد بعد سنة 2014 ،التي شهدت إحداثا مهمة لبعض المناطق او المحافظات ، وهناك من يقول إن هجرتهم ، كانت رد فعل على حالة اليأس والبؤس التي عاشوها من البطالة وقلة الأعمال وضعف المردودات او عدم الاستقرار ومنهم طلاب او خريجون ، والقضية تبدأ من ( تركيا ) حيث سافروا إليها بمباركة وتمويل الأهل بحثا عن الإعمال ، وحسب روايات الكثير إنها كانت محطة غير مناسبة لصعوبة او استحالة الحصول على الأرزاق ، وفيها استنزفوا اغلب ما يحملون من مال ، ولعدم رغبتهم في الرجوع للوطن وإعادة ما كانوا يعانوه ، فقد اختاروا طريق الهجرة لأوروبا وكل الأرجاء .
ولعدم امتلاكهم لسمات المرور والدخول لبقية البلدان ، فقد اضطروا لاتخاذ ( التهريب ) مسلكا في عبور الحدود ، وكانت وجهتهم الأقرب هي ( اليونان ) التي تتطلب عبورها بحرا ، وتم ذلك من قبل عصابات التهريب ، وفي محاولات العبور التي تتكرر ، تعرضوا للابتزاز والمخاطرة باستخدام وسائل نقل نهرية تفتقر لمتطلبات السلامة ، وتحشر فيها أعداد لضعف طاقات التحميل من حيث الفضاء والوزن ، ومنهم غرق ومات في البحر او عاد بعد نفاذ الأموال ، ومنهم القي القبض عليهم لمرة او مرات من خفر السواحل او غيرها من الجهات ، والآلاف منهم وصلوا لوجهتهم الأولى ، ومنها أعادوا المحاولات في تغيير مسارهم إلى حيث كانوا يحلمون ، فمروا او استقروا في بلدان عديدة وبحسب الاجتهاد ، او الحيل التي ابتكروها للعبور برا سيرا على الأقدام ، او بالقطار في عبور حدود البلدان .
والمتحدثون ، يعرضون حالهم الآن بأنه استقرار نفسي ومادي ، بعد أن توفرت لهم الأعمال وإكمال الدراسة او دورات اللغة والتدريب ، ومنهم استقروا عائليا من الزواج من الجنسيات او التحقت بهم عوائلهم العراقية من خلال ( لم الشمل ) ، ويتفقون جميعا في أنهم يعيشون الحلم وفرحين بعد مغادرة ( كابوس ) العراق دون رجعة ، كما أنهم يشيدون بالبلاد التي لجاوا إليها لما وجدوه من دعم وإسناد لحين الاندماج بالعمل والحياة ، والغريب إن بعضهم يتنكر بالكمال والتمام لبلدهم الذي ولدوا به ، و لايزال يحوي جذورهم و أهلهم ، ويبالغ البعض في الوصف ويطرحون تساؤلات للشباب ، عن أسباب بقاءهم بالعراق ، ويدعوهم بشكل صريح للهجرة والبدء من جديد في دول الغرب والشرق ، فهي تتوفر بها الفرص على قدر بذل الطاقات .
والرسائل التي ينقلها هؤلاء ، ليس غاياتها الحصول على الإعجاب ( اللايك ) او الاشتراك في القناة او كثرة التعليقات ، وإنما الدعوة المباشرة والصريحة لشباب العراق للهجرة وترك البلاد ، وهي دعوة تقترن برسم خارطة لإتباعها ، تبدأ من تعلم اللغة في المراكز والمعاهد ( اون لاين ) ، وفي طريفة المراسلة وتعبئة الاستمارات ، وكيفية الحصول على الفرصة ( المؤكدة ) لقبول الإقامة ، تحت غطاء الدراسة او العمل او لأسباب تتعلق بالضغط والاضطهاد ، وتتم دعوة الشباب لاستخدام طريق السفر الرسمي وليس التهريب مادام السفر متاحا للجميع ، متعهدين بتقديم تسهيلات لبداية الحجز والسفر بالحصول على الفيز بالتوصيات من الملحقيات والسفارات ،مع الإشارة لإبداء التعاون الفردي من خلال الاتصال بهم او بالجمعيات لتامين أمورهم لحين الاستقرار ، مشيرين لوجود منح ومساعدات يمكن أن تفتح الأمل والأمان في بداية المشوار .
وفي كل المرات التي نشاهد فيه تلك الفيديوهات ، نحاول إن نجد تخريجا لها خارج ( نظرية المؤامرة ) لا براءهم من أي غرض غير وطني ، ولكن الطريقة التي ينتقدون فيها بلدهم وبعضهم يتمادى في الوصف ، تجعل الشك يتسرب إلى نواياهم ، ومنهم يؤكدون لضرورة التخلي عن شعارات الاجتماعية والوطنية بمجرد الوصول ، ناصحين إياهم في الانعزال عن اقرأنهم من العراقيين والتركيز على العمل والاستقرار ، ورغم إن بعضهم يعلن انه بتقاضي أموالا عن ما يقدمه من خدمات من خلال الاتصال على حساب ( الانستكرام ) ، إلا إن بعضهم يقدم خدمات مجانية دون مقابل ، رغم انه يجهرون إن مهمتهم مع المستجيب ستنتهي عند الوصول ، وعدم رغبتهم في تكوين علاقات وصداقات ،لان وقت الإنسان في الهجرة ، موزع بين العمل والدراسة وبحدود ضيقة جدا من الفراغات وإضاعة الوقت .
البعض من سيقرؤون هذه السطور ، ربما يعتقدون انه قطع الخير عن الشباب ، لان هجرتهم ستكون أفضل من سابقاتها ، ميسرة ومحسوبة وخالية من الإخطار ، وإنا لسنا ضد حصول الشاب العراقي على فرص عمل بكرامة خارج البلاد ، نحن ضد أن تكون هجرة شبابنا عشوائية ، مجهولة المصدر ، وغير محمية الحقوق ، و سبق اقتراحنا من هذا الموقع ، بمعالجة جزء من البطالة بفرص عمل عالمية ، ولكن بشرط تنظيم مؤسساتية وضمان الرجوع ، وان تكون العقود معروفة المديات ، حرصا على مواردنا البشرية من الضياع ، نعم فالحرص والحذر مطلوبان ، لأنه من غير الصواب تشجيع الشباب على فرص مجهولة الغايات ، والبحث عن الفرص مطلوب ، ولكن اصطياد الشباب ليكونوا في أسوا وأصعب الأعمال ، او لأغراض التجنيد او سواها من النوايا والغايات مرفوض ، ويجب أن تكون مثل هذه الأمور تحت أعين الجهات المعنية ، لا لغرض التجسس وإنما التمييز والتبصير بين الخطأ والصواب ، فالمستهدفين هم من أعلى الثروات ، حتى وان كان بلدنا يمر بما يمر به من ظروف، يتجاوز فيها العرض على الطلب مع ضعف العدالة لبعض الحالات .