الأسس الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي
كتب / د.حسن الياسري
بالنظر لعدم وجود مساحةٍ دستوريةٍ أو دراساتٍ دستوريةٍ تُكيِّف الوضع الدستوري للأنظمة الذكية ؛ فأجدُ من الأهمية بمكانٍ إيلاء هذا الأمر أهميةً، بل أولويةً ، عبر التطرُّق إلى الأسس الدستورية لتنظيم الأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي ثم أعرض المقترحات الدستورية المناسبة لتنظيمها ؛ ومؤدى ذلك سيسهم بالمحصِّلة في دسترة هذه الأنظمة.
الأسس الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي
ثمة أسسٌ دستوريةٌ يمكن الاستعانة بها بغية تنظيم الأنظمة الذكية والذكاء الاصطناعي ، هي :
سيادة القانون في الفضاء الرقمي :
يجب أن يمتد الأساس الدستوري المتمثل بـ (سيادة القانون) ليشمل الفضاء الرقمي والأنظمة الذكية، وبمقتضى ذلك ينبغي خضوع الأنظمة الذكية للدستور والمساءلة القانونية للخوارزميات.فكما أنَّ السلطات العامة تخضع للدستور، فكذا يجب أن تخضع الأنظمة الذكية لإطارٍ دستوريٍ يحمي القيم المجتمعية الأساسية.ويكفل المساءلة القانونية لها.
2: الكرامة الإنسانية :
تمثلُّ الكرامة الإنسانية أساساً دستورياً جامعاً في أغلب الدساتير الحديثة، وهي تفرض ما يأتي:
عدم اختزال الإنسان في بياناتٍ رقمية.
عدم إخضاعه لقراراتٍ آليةٍ محضة تمسُّ مصيره دون تدخلٍ بشري.
وعليه فإنَّ الاستعمال غير المقيَّد للذكاء الاصطناعي في مجالاتٍ حساسةٍ، كالقضاء أو الأمن، قد يمثِّل مساساً جوهرياً بالكرامة الإنسانية.
3. حماية الحقوق والحريات الأساسية :
يطرح الذكاء الاصطناعي تحدياتٍ جذريةً للحقوق الدستورية التقليدية، مثل :
-الحق في الخصوصية :
يقوم الذكاء الاصطناعي في جوهره على جمع وتحليل البيانات، وهو ما يضعه في تماسٍّ مباشر مع الحق في الخصوصية وسرية الحياة الخاصة وحماية البيانات الشخصية.وتعدُّ هذه الحقوق اليوم من الحقوق الدستورية (الجيل الرابع)، ما يفرض قيوداً دستوريةً على استخدام الخوارزميات، وبخاصةٍ من قبل السلطات العامة.
- مبدأ المساواة وعدم التمييز:
تُظهر التجارب العملية أنَّ بعض أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تنتج تحيزاً خوارزمياً أو تمييزاً غير مباشرٍ ضد فئاتٍ معينة ؛ الأمر الذي يجعل مبدأ المساواة وعدم التمييز أساساً دستورياً حاسماً في تقييم مشروعية هذه الأنظمة.
-حرية التعبير:
مع استعمال خوارزمياتٍ معينةٍ قد تتحكم في تدفق المعلومات فإنها قد تؤثر في حرية التعبير.
4. الأسس الدستورية الاقتصادية والاجتماعية ، مثل :
- الحق في العمل:
إذْ تمثل الأنظمة الذكية تحدياً جدِّياً وخطيراً لحق الإنسان في العمل ؛ لذا لا بدَّ من مواجهةِ إحلال الأنظمة الذكية محل الأيدي العاملة البشرية وإيجاد حلولٍ جديةٍ تحول دون ذلك.
- العدالة الاجتماعية:
إذْ ينبغي توزيع منافع التقنية واجتناب احتكارها، وإنَّ القول بخلاف ذلك يعدُّ هدراً للعدالة الاجتماعية التي تؤكدها الدساتير.
- الحق في التقاضي والشفافية :
يتطلب الدستور والقانون منح الأفراد الحق في التقاضي وفي الطعن وتسبيب القرارات القضائية وخضوع القرارات الإدارية للرقابة القضائية.وهو ما يصطدم مع طبيعة بعض الأنظمة الذكية التي يصعب تفسير منطقها؛ ما يستدعي تدخلًا دستوريًا يكرّس مبدأ الشفافية الخوارزمية.
المقترحات الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي
على الرغم من الفراغ الدستوري في الموضوع مدار البحث بيد أنَّ بالإمكان طرح بعض المقترحات الدستورية لتنظيم الذكاء الاصطناعي دستورياً ، وفي هذا السياق أطرح المقترحات الآتية :
أولًا: مبدأ سيادة الإنسان على الآلة :
لا يجوز إخضاع أيِّ إنسانٍ لقرارٍ يصدر كلياً عن نظامٍ ذكيٍ أو آليٍ يمسُّ حقوقه أو حرياته الأساسية دون تدخلٍ بشريٍ فعلي قابلٍ للمساءلة.إذ ينبغي أن يتم التعامل مع السيادة البشرية على الآلة كثابتٍ دستوريٍ غير قابلٍ للمساومة، وأيُّ قولٍ بخلاف ذلك سيفضي إلى كوارث تصيب البشرية.
ثانياً: الحق الدستوري في الشفافية الخوارزمية :
لكل فردٍ الحق في معرفة الأسس العامة لما تقوم به أنظمة الذكاء الاصطناعي من خطواتٍ ومعلوماتٍ قد تؤثر في مركزه القانوني ، ومنحه حق الطعن فيها أمام القضاء.
ثالثاً: الحماية الدستورية للبيانات الشخصية :
تعدُّ البيانات الشخصية حقاً دستورياً مصوناً، ولا يجوز معالجتها أو تحليلها باستعمال تقنيات الذكاء الاصطناعي إلا على وفق القانون وبما لا يمسُّ كرامة الإنسان.
رابعاً: حظر الاستعمالات غير المشروعة :
يُحظر استعمال الذكاءِ الاصطناعي في أيِّ نشاطٍ ينطوي على تمييزٍ أو انتهاكٍ للكرامة الإنسانية أو عملٍ غير مشروعٍ أو تقويضٍ للحقوق الدستورية.
خامساً : وضع إطارٍ دستوريٍ لسنِ تشريعاتٍ تحدد حدود استعمال الذكاءِ الاصطناعي في القطاعات الحسَّاسة مثل (القضاء، الصحة، التعليم).
سادساً : التنظيم الدستوري للحق في (البيئة الرقمية الآمنة والعادلة).
سابعاً : إنشاء أطرٍ قانونيةٍ للمساءلة القانونية للأنظمة الذكية.
ثامناً : العمل على إنشاء هيئاتٍ لرقابة وتنظيم الأنظمة الذكية.
تاسعاً : تأهيل المؤسساتِ الدستورية القائمة
( ولا سيما القضائية والرقابية) لفهم وتنظيم التقنيات الذكية.
عاشراً : إنشاء وحداتٍ متخصصةٍ في المحاكم للبت في المنازعات التقنية
المعقدة.
من كلِّ ما تقدَّم يتجلّى أنَّ الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مسألةٍ تقنيةٍ أو تنظيميةٍ، بل أصبح قضيةً دستوريةً بامتياز، تمسُّ جوهر العلاقة بين الفرد والدولة.ومن ثمَّ فإنَّ الاتجاه نحو التنظيم الدستوري للذكاء الاصطناعي – دسترة الذكاء الاصطناعي- لا يمثل ترفاً تشريعياً أو رفاهيةً فكريةً، بل ضرورةً دستوريةً لضمان بقاء الإنسان في عصر الثورة الرقمية كمركزٍ للنظام القانوني، وحمايةً للحقوقٍ والحريات في عصرٍ تحكمه الخوارزميات والأنظمة الذكية عبر إعادة تأصيلٍ للمبادئ الدستورية التقليدية في
واقعٍ جديد.