ترامب يبيع الديمقراطية الأمريكية: 5 آلاف دولار للناخب بدلا من كشف حساب
كتب / محمد أحمد سهيل المعشني
ماذا يبقى من الديمقراطية عندما لا تطلب السلطة من الناخب أن يحاسبها على إنجازاتها، وإنما تعرض عليه 5 آلاف دولار مقابل أن يبقي حزبها في السلطة؟
السؤال لم يعد افتراضيا. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أمام المؤتمر الجمهوري المخصص لانتخابات التجديد النصفي، أنه يريد منح كل مواطن أمريكي بالغ 5 آلاف دولار إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة على الكونغرس في انتخابات نوفمبر المقبل. وبحسب رويترز، فإن عدد البالغين الأمريكيين يقارب 270 مليون شخص، ما يجعل التكلفة المحتملة نحو 1.35 تريليون دولار، بينما يحتاج تنفيذ الوعد إلى موافقة الكونغرس وتشريع يحدد آليته ومصدر تمويله.
لكن السؤال الأهم ليس هل يستطيع ترامب دفع هذا المبلغ، وإنما لماذا يحتاج أصلا إلى عرض المال على الناخب؟
فالسلطة الواثقة من إنجازاتها لا تحتاج إلى شراء الزخم الانتخابي. تستطيع أن تقول لمواطنيها: انظروا إلى ما أنجزناه، انظروا إلى الاقتصاد والأسعار والوظائف، وإلى سياستنا الخارجية والهجرة والأمن، ثم قرروا. أما عندما يصبح كشف الحساب عبئا انتخابيا، يصبح نقل المعركة من (ماذا أنجزتم؟) إلى (ماذا ستعطوننا؟) أكثر إغراء.
وهنا تكمن دلالة الـ5 آلاف دولار. ترامب لا يقول للناخب: احتفظوا بالجمهوريين لأنهم نجحوا، وإنما يربط المنفعة المالية ببقاء الجمهوريين في السيطرة على الكونغرس. بل يذهب أبعد من ذلك حين يجعل نفسه محور الانتخابات، داعيا الأمريكيين إلى التعامل معها كما لو أنه شخصيا موجود على بطاقة الاقتراع، رغم أنها انتخابات تشريعية وليست رئاسية.
فلماذا يلجأ ترامب إلى هذه الورقة الآن؟
لأن الحزب الجمهوري يدخل انتخابات التجديد النصفي تحت ضغط سياسي واضح. شعبية ترامب تراجعت، وكلفة المعيشة والتضخم والحرب مع إيران أصبحت ملفات ضاغطة على البيت الأبيض، فيما يخوض الجمهوريون معركة صعبة للاحتفاظ بالكونغرس. وفي مثل هذه الظروف لا يكفي أن تقول الإدارة للناخب إنها حققت النجاح؛ عليها أن تقنعه به، وهنا تحديدا تبدأ مشكلة كشف الحساب.
فإذا كان الإنجاز مقنعا، فلماذا يحتاج الناخب إلى شيك؟
الشيك أسرع من الإنجاز، وأسهل من الدفاع عن السياسات المعقدة. المواطن الذي يسمع 5 آلاف دولار لا يحتاج إلى تقرير اقتصادي طويل حتى يدرك المنفعة المباشرة. وهنا تتحول الانتخابات، ولو على مستوى الخطاب، من مناسبة لمحاسبة السلطة إلى صفقة منفعة: أبقوا حزبنا في الكونغرس وستحصلون على المال.
وهذا هو الجزء الأخطر في القصة.
فالديمقراطية لا تقوم على شراء رضا الناخب، وإنما على حقه في مكافأة السلطة أو معاقبتها. الحكومة تستطيع أن تقدم إعفاءات ضريبية أو برامج دعم أو مساعدات عامة، وهذا أمر طبيعي في أي نظام سياسي. لكن ربط المنفعة المالية صراحة ببقاء حزب معين في السلطة يغير طبيعة الرسالة السياسية.
القانون الأمريكي نفسه يجرم تقديم المال مقابل التصويت لشخص أو مرشح معين، لكن إعلان ترامب بصيغته الحالية لا يطابق حرفيا هذه الحالة؛ فهو ربط الوعد ببقاء الجمهوريين في السيطرة على الكونغرس، ولذلك يدور الجدل القانوني حول آلية التنفيذ ومشروعية المقترح، لا حول حكم نهائي بأنه عملية شراء أصوات.
لكن حتى إذا بقي الأمر داخل الحدود القانونية، فإن السؤال السياسي لا يختفي: هل يقنع الحزب الناخب بما أنجز، أم يعرض عليه المال حتى لا يضطر إلى مواجهة كشف الحساب؟
وهنا تصبح سياسات ترامب الداخلية والخارجية جزءا من القصة. ترامب وعد بإعادة القوة الاقتصادية إلى الأمريكيين، لكن التضخم وكلفة المعيشة ما زالا في صدارة القلق الشعبي. ووعد بحسم ملفات كبرى في السياسة الخارجية، لكن الحرب مع إيران لم تتحول إلى نهاية سياسية يستطيع البيت الأبيض تقديمها باعتبارها انتصارا نهائيا. أما ملف الهجرة، الذي كان أحد أعمدة خطابه، فما زال من أكثر الملفات استقطابا داخل الولايات المتحدة.
لا يعني ذلك أن كل سياسة اتبعها ترامب فاشلة، لكن المشكلة أن حصيلته لم تتحول إلى إجماع انتخابي على النجاح. وهذه هي المعضلة التي تواجه أي حزب حاكم: الانتخابات المقبلة قد تتحول إلى كشف حساب عن سنوات الحكم، وليس مجرد تصويت على وعود المستقبل.
وعندما يصبح كشف الحساب مشكلة، يصبح الشيك حلا شعبويا سهلا.
لكن فاتورة الشيك نفسها تكشف مفارقة أخرى. نحن نتحدث عن نحو 1.35 تريليون دولار في دولة تجاوز دينها العام 40 تريليون دولار وتعاني عجزا ضخما، فيما يحتاج المشروع أصلا إلى موافقة الكونغرس. وحتى لو وصل المال إلى المواطن، فهو لا يعالج أسباب ارتفاع تكلفة المعيشة، وقد يضيف ضخ هذا الحجم من الأموال ضغوطا جديدة على الأسعار.
وهنا أجد نفسي أحيانا أتساءل: ألا يذكرنا هذا المشهد ببعض جمهوريات الموز التي تختزل الدولة في شخص الحاكم، والانتخابات في الولاء له، والسياسة في توزيع المنافع؟
المفارقة أن أمريكا ظلت لعقود تقدم نفسها للعالم باعتبارها دولة المؤسسات والقانون وتداول السلطة. وكانت قوتها الناعمة تقوم إلى حد كبير على هذه الصورة. لكن ترامب، من خلال شخصنة السلطة وتحويل الانتخابات التشريعية إلى استفتاء عليه، وربط المنفعة المالية ببقاء حزبه في الكونغرس، ينسف شيئا من الصورة التي ظلت واشنطن تسوقها للعالم.
لا أقول إن الولايات المتحدة تحولت إلى ديكتاتورية، ولا إن ترامب أعلن مشروعا لتقويضها. لكن الديمقراطية لا تنهار دائما بضربة واحدة؛ قد تتآكل عندما تصبح السلطة أهم من المؤسسة، والولاء أهم من المحاسبة، والمنفعة أهم من الإنجاز.
وقد يكون هذا هو أخطر ما يفعله ترامب بأمريكا. فهو يتحدث عن إعادة عظمتها، بينما قد تكون بعض سياساته تدفع في الاتجاه المعاكس، فتغزّم صورتها السياسية أمام العالم وتضعف النموذج الذي بنت عليه جزءا كبيرا من نفوذها.
فالقوة الأمريكية ليست في السلاح والاقتصاد فقط، وإنما في فكرة ظلت واشنطن تقدمها للعالم: أن الحاكم يخضع للمحاسبة، وأن الناخب يستطيع أن يسحب منه التفويض عندما يفشل.
أما إذا أصبح السؤال في الانتخابات (كم ستدفعون لنا؟) بدلا من (ماذا أنجزتم؟)، فإن الخاسر لا يكون ترامب أو الجمهوريين وحدهم، بل الفكرة التي جعلت الديمقراطية الأمريكية مختلفة عن جمهوريات الموز التي طالما انتقدتها.
قد يمر مشروع الـ5 آلاف دولار، وقد يسقط في الكونغرس، وقد يبقى مجرد وعد انتخابي. لكن السؤال الذي طرحه ترامب أكبر من الشيك نفسه، وأخطر منه:
هل يذهب المواطن الأمريكي إلى صندوق الاقتراع ليحاسب السلطة، أم ليقبض ثمن إبقائها؟