حصاد النيران: كيف كسبت إيران الحرب؟
كتب / محمد بن علي بن ضعين البادي
في اللحظة التي انطلقت فيها شرارة الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، كان المعتدون يظنون أنها ستكون الضربة القاضية التي تكسر إرادة طهران وتغير وجه الشرق الأوسط إلى الأبد. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن التحالف المعتدي؛ لتنتهي تلك المغامرة العسكرية العنيفة دون تحقيق أي من أهدافها، وتتحول في حسابات الربح والخسارة إلى خذلان استراتيجي وتراجع صارخ لقوى عظمى اصطدمت بصخرة الصمود. وهنا يكمن الذكاء السياسي؛ فبينما كان العالم يترقب انهيار الدولة المستهدفة تحت وطأة النيران والحصار، كانت إيران تقلب الطاولة على الجميع، محوّلة أتون الحرب وصخب الطائرات إلى فرصة تاريخية ذهبية، خرجت منها بأكبر حصاد من المكاسب السياسية والعسكرية والداخلية التي أعادت رسم موازين القوى في المنطقة فرضت واقعاً إقليمياً جديداً.
لقد تبلور أول وأهم هذه المكاسب في الميدان العسكري والدفاعي؛ إذ كانت هذه الحرب بمثابة أكبر وأعنف تمرين حي واختبار حقيقي للمنظومات الدفاعية والهجومية الإيرانية في ظروف حرب شاملة وغير تقليدية. وتحت وطأة الضغط المستمر، اضطرت طهران إلى تفعيل استراتيجية الاعتماد المطلق على الذات، فاختبرت بكفاءة عالية مرونة شبكاتها الصاروخية وسلاح الطائرات المسيرة، وطوّرت من أساليب تصديها لأحدث التكنولوجيات العسكرية الغربية والإنجليزية. هذا الصمود الميداني لم يحمِ حدودها فحسب، بل أسس لمعادلة ردع جديدة وغير مسبوقة في الحسابات الإقليمية، حيث أثبتت للعالم أن تكلفة أي مغامرة عسكرية قادمة ضدها ستكون باهظة جداً وفوق قدرة المعتدين على الاحتمال، مما نقلها عسكرياً من مربع الدفاع إلى مربع الندّية وفرض شروط القوة.