حين تنام العواصم العربية… تُعاد صياغة خرائط المنطقة بالنار
كتب / مراد جمعة
الهدنة ليست نهاية الحرب، بل استراحة لإعادة التموضع… والعرب ما زالوا يخوضون معارك الطوائف، فيما تُعاد صياغة خرائط الإقليم وموازين القوة خلف الأبواب المغلقة.
في الشرق الأوسط، لا تموت الحروب عندما تصمت المدافع، ولا يُقاس النصر بعدد الصواريخ التي أُطلقت أو المباني التي هُدمت. فالحروب الحقيقية تبدأ بعد انقشاع الدخان، حين تجلس مراكز القرار لتعيد رسم خرائط النفوذ، وتقييم الخسائر، والاستعداد للجولة التالية. أما الهدن، ففي هذه المنطقة، نادرًا ما تكون نهاية للصراع؛ إنها في كثير من الأحيان استراحة محارب، يلتقط خلالها الجميع أنفاسهم قبل أن يعودوا إلى الميدان بأدوات وأساليب مختلفة.
وفي الوقت الذي تُدار فيه أخطر الملفات في العالم داخل غرف مغلقة، ما يزال جزء كبير من عالمنا العربي غارقًا في معارك الهوية والطائفة، يوزع الاتهامات ويقيم محاكم التفتيش المذهبية، بينما تتحرك القوى الكبرى وفق حسابات المصالح وموازين القوة، لا وفق الشعارات والانفعالات.
في علم السياسة، لا مكان للعاطفة، ولا قيمة للرغبات الشخصية عند قراءة الأحداث. فالتحليل الاستراتيجي لا ينطلق من سؤال: من نحب ومن نكره؟ بل من سؤال أكثر أهمية: ماذا حدث؟ ولماذا حدث؟ وإلى أين يمكن أن تتجه الأمور؟
لقد تعرضت إيران لضربات عسكرية مؤلمة، واستُهدفت قيادات ومنشآت ذات أهمية، لكن الدولة لم تنهَر، ولم تتفكك مؤسساتها، ولم يتحقق السيناريو الذي راهن عليه كثيرون بانهيار سريع. وهذه ليست وجهة نظر مؤيدة أو معارضة، بل ملاحظة سياسية تستحق التوقف عندها. كما أن أي تصعيد عسكري في منطقة تعيش أصلًا على حافة الانفجار يبقى تطورًا خطيرًا يستوجب السعي إلى احتوائه، لأن كلفته لا تقتصر على طرف واحد.
وفي المقابل، فإن اختزال الصراع في ثنائية «سني وشيعي» لا يمثل قراءة استراتيجية بقدر ما يمثل اختزالًا مخلًا لواقع شديد التعقيد. فالمنطقة دفعت أثمانًا باهظة بسبب الانقسامات الداخلية، بينما بقي المستفيد الأكبر هو كل من نجح في تحويل التناقضات الداخلية إلى وقود دائم للصراع.
لقد عرف تاريخ هذه الأمة رجالًا ونساءً وقفوا في وجه الاحتلال والاستعمار من مختلف المشارب والانتماءات، من عمر المختار، ويوسف العظمة، وثورة الجزائر، إلى نضال الشعب الفلسطيني عبر عقود طويلة. ولم تكن تلك المحطات تُقرأ يومًا بمنظار المذهب، بل بمنظار الدفاع عن الأرض والكرامة والسيادة.
إن أخطر ما يواجه العالم العربي اليوم ليس فقط احتمال اتساع رقعة الصراع، بل استمرار غياب رؤية عربية موحدة لقراءة التحولات الجيوسياسية. فالمنطقة تشهد إعادة تموضع سياسي وعسكري متسارع، بينما لا يزال الخطاب الشعبي أسير الانفعال، بدلًا من قراءة الوقائع بعين الدولة والمصلحة الوطنية.
ومن منظور استراتيجي، تبدو المرحلة الحالية أقرب إلى إعادة ترتيب للأوراق منها إلى نهاية للصراع. فالقوى المختلفة تعيد تقييم خياراتها، وتراجع حساباتها، وتسعى إلى ترميم قدراتها، وهو ما يدفع عددًا من المحللين إلى الاعتقاد بأن الهدوء الحالي قد يكون مؤقتًا، وأن استدامته ستتوقف على نجاح الجهود السياسية في منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
كما أن الولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تدرك أن امتلاك القوة لا يعني دائمًا القدرة على فرض نتائج نهائية، وهو درس أثبتته تجارب تاريخية عديدة. وفي المقابل، تواجه إسرائيل تحديات أمنية وسياسية متزايدة، فرضت عليها إعادة النظر في عدد من المسلمات التي حكمت عقيدتها الأمنية لعقود.
وفي خضم هذه التحولات، يبرز تصاعد تأثير التيارات اليمينية المحافظة داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة بوصفه عاملًا يستحق المتابعة، لما قد يتركه من أثر على طبيعة السياسات الأمريكية في المنطقة، وإن كان حجم هذا التأثير وحدوده يبقيان محل نقاش بين الباحثين والمراقبين.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله العرب اليوم هو الاستمرار في الانشغال بمعاركهم الصغيرة، بينما تتحرك خرائط النفوذ من حولهم بسرعة غير مسبوقة. فالجغرافيا لا تنتظر المترددين، والتاريخ لا يرحم من يقرأ الأحداث بعين الماضي.
قد تختلف التقديرات، وقد تصيب أو تخطئ، لكن المؤكد أن الشرق الأوسط لم يصل بعد إلى شاطئ الاستقرار، وأن المرحلة المقبلة ستتطلب من جميع الأطراف قدرًا أكبر من الحكمة، لأن أي مواجهة جديدة لن تُبقي آثارها محصورة داخل حدود دولة واحدة، بل ستنعكس على المنطقة بأسرها.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تكون الهدنة الحالية بداية لمسار سياسي يخفف من حدة التوتر، أم أنها مجرد فصل قصير يسبق جولة جديدة من الصراع؟