ماذا لو صمت العرب يوما واحدا؟!
كتب / د. ادريس هاني ..
نحن في حاجة إلى يوم عربي للصمت؛ سيكون بلا شك أروع عيد يمكن أن نستعيد من خلاله القدرة على الروية، وننشيء علاقة غير مرضية مع المعنى.
بعض من الحوادث التاريخية تظل غامضة مهما تذاكى أي محلل سياسي فضولي في ممارسة سياحية في واجهتها المضللة، لأنها موصولة بتعقيد سياسي وجغرافي وتاريخي وانتربولوجي، فضلا عن اليومي غير المعلن، والهمس غير المسموع، واللوذانية غير المفكر فيها.
هنا لا يفيد النط في المقاربة نظرا لتعقد الحدث؛ لكن بعضا من تلك الحوادث سيفسرها الزمن، حين تنمو العقول أكثر ويخف الانفعال السطحي، واحصل الروية.
لا زالت نخبة الأمة مأخوذة بالشعارات، مهزومة على مستوى المعاقلة، فقيرة في المعطيات، ريشة في مهب الريح. وهذا من عوامل التأخر ومعيقات النهضة، بل هو الأزمة نفسها.
لم تنضج الأمة بما يكفي لتقبل الحقيقة؛ فمنذ البداية وهي تتلوى، وها هي لا زالت تفعل. وما يقهر أولي النهى سوى الدهماء، بينما العدو كاشف عن نفسه الغطاء؛ النفاق، والتبييت، والجبن، والغناء، كلها تؤلف مهزلة العقل العربي.
لماذا لم يتحقق الفطام حتى اليوم من ابتغاء غير ذات الشوكة في الوعي والفهم؟ لماذا يكون الهدف دائما هو وخز العاطفة بدل العقل، وإقامة المندبة، ثم نظن أننا نحسن صنعا؟
في التحليل السياسي يتعين النظر إلى الأحداث أيا كان موضوعها بعين التعقيد، وفحصها داخل نسقها الدلالي، وهو شرط في المقاربة يمكننا من أن نفهم السياقات والعلل، حيث نستطيع تقويض الأزمة بدل التمكين لها بطريقة أخرى.
إننا في البيداء العربية حيث ألفنا رقصة الديك المذبوح، نسير في سوق السياسة بالكثير من الخوف والرجاء، بينما نتفادى شروط الفهم وتحدياته. كل طرف في هذا الملعب العربي الرديء يملك عواطف وانفعالات برسم الحق أو برسم الباطل. لكن الروية هي من يجعلنا نفهم أبعد مدى من وعي الديك المذبوح في اللحظات الحرجة. فلا زلنا نأمل في ميلاد مقاربات عقلائية تعوضنا عن سنوات من التجهيل عجاف.
إن مسؤولية انهيار الميثاق العربي الذي ولد ميتا، هي مسؤولية الجميع، لكل من أعضائه نصيب ظاهر أو خفي من هذا الانهيار. ولن يفيد التباكي على هيكل مخروم، ولن ينفع الاختباء وراء البنصر بتمسرح بليد فقد طعمه وغداء فاسد فقد جودته، وسنكرر دائما: ليس في القنافذ أملس. لأن الانتهازية هي المحفز الأساسي لليفياثان، ولن ينفع الأنس بالتكرار والتوصيف، ونحن نمشي فوق حقل ألغام.
لماذا خبراؤنا(مع وقف التنفيذ) هائمون في وصف تبسيطي للمعضلة العربية، حيث وجب التمييز بين الوصف التبسيطي للوقائع والتشخيص العميق لبنياتها وشروط تولدها. إن التاريخ له جولات يكشف فيها من خلال مكره ما كان خفيا من مدلهمات السياسة العربية؛ هذا ما يعني فقدان الوعي التاريخي وكذا البنيوي للمعضلة العربية المزمنة. هل يا ترى يفيد الأمة وهي تعاني من البلهارسيا السياسية أن نقدم لها رؤى زائفة على طبق من اللغو بدل الدواء الناجع؟ إذا صمت العرب يوما واحدا، قد يكون ذلك بداية دخول عهد الرشد. إنهم لا يحسنون تسلق الجبال، وهم على بسائط الأمور أجرأ.
ليس قدرنا كعرب أن نسترجع كل هذه الكآبة إلى الأبد. قد يكون أهم إنجاز عربي حتى اليوم هو مقاومة الهيمنة، لكن هناك من يفسد الاستجابة الواعية للتحدي، ويؤثر رد الشرط البافلوفي. لكم نحن مدمنون على التكرار، ولكم نحن ميالون لما يدغدغ مشاعر جبانة عند الناس لا ما ينفعهم!
أما البيداء العربية ومهزلة الميثاق العربي الذي غدا بلا شوائب كما يقول مظفر النواب، فهو لعمري أمر مخيب للآمال. لننس شيئا إسمه الميثاق العربي بمواصفاته الكلاسيكية، ونمنح فرصة للميدان في أن يواصل مهمة الممانعة ويتمخض لولادة جديدة. وحين نكبر قليلا، سنفهم أكثر وندرك بأننا كنا هواة هدر للمكتسبات، ومغالطون حد الأذقان، وأضحوكة الغادي والبادي من سقط الأمم!
من لم يدرك الحركة الجوهرية، سيخطيء استيعاب جدل الثابت والمتحول. فلا شيء في مسار تطور النفس ينقلب، الأخير خير والشر شر فلا انقلاب في الماهيات، بل ثمة فقط مراتب في الوعي يكون فيها ما به الاشتراك هو عين ما به الامتياز. واعلم أن من تساوى يوماه فهو مغبون!